8 أغسطس، 2026 - 1:33 مساءً
سليدرمقالات وآراء

العراق وحُمّى الشهادات: حين يتحول التعليم إلى وهم جماعي

بقلم/ الدكتور عبد الرحيم الشويلي

د. عبد الرحيم الشويلي

لم يعد التحصيل العلمي في العراق معيارًا للكفاءة أو وسيلة للإنتاج، بل تحوّل تدريجيًا إلى أداة رمزية تُستخدم لتحسين المكانة الاجتماعية أو كوسيلة ضغط على الدولة للحصول على وظيفة. هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها بـ”حُمّى الشهادات”، ليست مجرد خلل تربوي، بل نتيجة مباشرة لبنية سياسية واقتصادية مختلة تشكّلت بعد عام 2003.
منذ غزو العراق عام 2003م، دخل العراق في مرحلة إعادة تشكيل لمؤسساته، لكن هذه العملية لم تُبنَ على أسس دولة حديثة، بل على توازنات سياسية هشة، ارتبطت فيها الحكومات المتعاقبة بمحاور إقليمية، وعلى رأسها إيران. هذه الحكومات، بدل أن تؤسس لاقتصاد إنتاجي حديث، كرّست نموذج الدولة الريعية، حيث الوظيفة الحكومية أصبحت الغاية النهائية لغالبية الخريجين.
في هذا السياق، توسّع التعليم العالي بشكل غير مدروس. ازداد عدد الجامعات والكليات، خصوصًا الأهلية، دون تخطيط حقيقي لحاجات سوق العمل. النتيجة كانت تخريج عشرات الآلاف سنويًا في تخصصات لا يحتاجها الاقتصاد أصلًا. وهنا تكمن المفارقة: كلما ازداد عدد الشهادات، تراجعت قيمتها الفعلية.
الأخطر من ذلك أن الدراسات العليا لم تعد مشروعًا علميًا، بل تحوّلت إلى وسيلة لتأجيل البطالة أو تحسين فرص التعيين. فبدل أن يكون الماجستير والدكتوراه أدوات لإنتاج المعرفة، أصبحا في كثير من الحالات مجرد “أوراق إضافية” في ملف الانتظار الطويل أمام أبواب الدولة.
هذا الانحراف لم يكن عفويًا. فالحكومات التي هيمنت على المشهد السياسي منذ 2003، والمرتبطة في كثير من قراراتها برؤية إقليمية، لم تكن معنية ببناء إنسان عراقي منتج ومستقل، بل ساهمت—بقصد أو بغير قصد—في تكريس نموذج المواطن التابع، الذي ينتظر راتبه من الدولة بدل أن يخلق فرصته بنفسه. إن إضعاف التعليم الحقيقي، وإغراق السوق بشهادات بلا مضمون، هو أحد أخطر أشكال تفريغ المجتمع من طاقته.
لقد أُهملت الجودة لصالح الكم، وغابت المعايير لصالح المحاصصة، وأُفرغت الجامعات من دورها النقدي والمعرفي، لتتحول في كثير من الأحيان إلى مؤسسات تمنح شهادات أكثر مما تصنع عقولًا. وهكذا نشأت طبقة واسعة من الخريجين الذين لا يمتلكون مهارات تنافسية، لكنهم في الوقت نفسه يحملون توقعات عالية من الدولة.
إن أزمة “حُمّى الشهادات” في العراق ليست أزمة تعليم فقط، بل هي مرآة لأزمة حكم. فحين تفشل الدولة في بناء اقتصاد حقيقي، وحين تُدار مؤسساتها بمنطق الولاءات لا الكفاءات، يصبح التعليم نفسه جزءًا من المشكلة، لا الحل.
والخلاصة القاسية:
ليس الخطر في كثرة الشهادات… بل في قلّة المعرفة التي تقف خلفها.
وليس الخلل في الطلبة… بل في نظامٍ صنع منهم حاملي أوراق، بدل أن يصنع منهم بناة وطن.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=94343