8 أكتوبر، 2026 - 9:04 مساءً
اقتصاد

العراق بين استنزاف الدولار وانهيار القوة الشرائية: وطن غني بثرواته يدفع شعبه ثمن أزماته

كتبه الدكتور خالد الحديثي

كتبه الدكتور خالد الحديثي

حين يصبح الدولار أقوى من رغيف الخبز، وتتحول ثروة الوطن إلى عبء على مواطنيه، فإن الأزمة لم تعد مجرد سعر صرف، بل أزمة إدارة اقتصادية وسيادة وطنية.

لم يعد المواطن العراقي بحاجة إلى المزيد من التحليلات السياسية، ولا إلى سيل التصريحات التي تتكرر كلما ارتفع سعر صرف الدولار. فما يعنيه المواطن ببساطة هو قدرته على العيش بكرامة في بلد يمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية في العالم، لكنه ما زال يعاني من اختلالات اقتصادية عميقة تنعكس بصورة مباشرة على معيشة شعبه.

إن المفارقة المؤلمة في العراق ليست في قلة الموارد، وإنما في عجز السياسات الاقتصادية المتعاقبة عن تحويل هذه الموارد إلى إنتاج حقيقي، واستقرار نقدي، وفرص عمل، ومستوى معيشي يتناسب مع ثروات البلاد.

أولا: ارتفاع الدولار ليس رقما في السوق، بل تراجع في قيمة حياة المواطن

عندما يرتفع سعر الدولار مقابل الدينار العراقي، فإن المتضرر الأول هو المواطن الذي يتقاضى دخله بالدينار، وفي مقدمته الموظف والمتقاعد والعامل محدود الدخل، وكذلك العاطل عن العمل الذي تعتمد معيشته على أسرته.

فالراتب الذي يبقى ثابتا اسميا يفقد جزءا من قوته الشرائية كلما ارتفعت أسعار السلع والخدمات المرتبطة بالدولار.

والمشكلة تصبح أكثر خطورة في اقتصاد يعتمد بصورة واسعة على استيراد الغذاء والدواء والملابس والمعدات والمواد الأولية.

وهنا ينبغي التمييز بين من يحصل على دخله بالدينار وينفقه في السوق العراقية، ومن يتقاضى دخله بالدولار أو يمتلك أصولا دولارية؛ فالأخير يتمتع بحماية نسبية من انخفاض قيمة الدينار، بينما يتحمل الأول الجزء الأكبر من الصدمة.

إن العدالة الاقتصادية لا تتحقق بمجرد انتظام دفع الرواتب، وإنما بقدرة تلك الرواتب على تأمين حياة كريمة.

فما قيمة راتب يتسلمه المواطن كاملا إذا كان يفقد جزءا من قيمته الحقيقية قبل أن يصل إلى نهاية الشهر؟

ثانيا: من المسؤول عن استنزاف الدولار العراقي؟

لا يمكن مناقشة أزمة الدولار في العراق بمعزل عن ملف تهريب العملة، والتحويلات التجارية غير المشروعة، والفساد المالي، وضعف الرقابة على المنافذ الحدودية وحركة الأموال.

وتكتسب العلاقة الاقتصادية والمالية مع إيران أهمية خاصة في هذا الملف، بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها، وما تخلقه من حوافز لاستخدام قنوات مالية غير مباشرة للحصول على العملات الأجنبية.

لكن المسؤولية لا يجوز اختزالها في طرف خارجي وحده.

فإذا كانت هناك دول أو شبكات تجارية تستفيد من تسرب الدولار العراقي، فإن السؤال الأهم هو: من يسمح بمرور هذه الأموال؟ ومن يوفر الغطاء التجاري أو المصرفي لها؟ ومن يتحمل مسؤولية إخفاق الرقابة والمساءلة؟

إن أي دولار يغادر النظام المالي العراقي عبر فواتير وهمية أو تحويلات غير مشروعة أو عمليات تهريب يمثل خسارة محتملة لسلامة الاقتصاد وقدرته على إدارة موارده.

والحسم في حجم هذه الممارسات والجهات المستفيدة منها يتطلب تحقيقات مالية موثقة وبيانات رسمية شفافة، لا اتهامات عامة.

إن حماية الدولار العراقي تبدأ من بغداد، ومن مؤسسات الدولة العراقية، قبل أن تبدأ من مراقبة الحدود مع أي دولة أخرى.

والسيادة الاقتصادية لا تقاس بحجم الخطابات الوطنية، وإنما بقدرة الحكومة على ضمان أن تُستخدم موارد العراق لمصلحة العراق، وأن تخضع جميع العلاقات المالية والتجارية، دون استثناء، للقانون والمصلحة الوطنية.

ثالثا: الاقتصاد الريعي هو الجذر الأعمق للأزمة

تختبئ وراء أزمة الدولار مشكلة أكثر خطورة، وهي اعتماد العراق المفرط على النفط لتمويل الموازنة العامة وتوفير النقد الأجنبي.

فالدولة تحصل على الجزء الأكبر من عملتها الأجنبية من تصدير النفط، ثم تستخدم هذه الموارد لتمويل الإنفاق العام والاستيراد.

وهكذا تتشكل دائرة اقتصادية مختلة:

نصدر النفط، ونحصل على الدولار، ونستورد احتياجاتنا، ثم نعيد إنفاق جانب كبير من العائدات خارج الاقتصاد الوطني، بدلًا من توجيهها نحو بناء قاعدة إنتاجية مستدامة.

هذه الدورة تجعل العراق شديد الحساسية لصدمات أسعار النفط، واضطرابات التصدير، وتقلبات الدولار، والتوترات الإقليمية.

والأخطر من ذلك أنها تعمّق الاعتماد على الخارج وتضعف قدرة الزراعة والصناعة الوطنية على المنافسة.

فكيف يمكن لبلد يمتلك الأراضي الزراعية والمياه والموارد الطبيعية والطاقات البشرية أن يبقى معتمدا على الاستيراد لتأمين جانب كبير من احتياجاته الأساسية؟

إن الاقتصاد الذي لا ينتج ما يكفي، سيظل محتاجا إلى الدولار مهما بلغت عائداته النفطية.

رابعا: تخفيض قيمة الدينار ليس بديلًا عن الإصلاح الاقتصادي

قد ترى الحكومة في تخفيض قيمة الدينار وسيلة للحصول على مبالغ أكبر بالدينار من كل دولار نفطي، بما يساعدها على تمويل نفقاتها المحلية.

وهذا صحيح من الناحية المحاسبية.

لكن زيادة الإيرادات المقومة بالدينار لا تعني زيادة الثروة الحقيقية للعراق، ولا تعني تحسن القدرة الشرائية للمواطن.

بل قد يتحول هذا الإجراء إلى نقل غير مباشر لأعباء الأزمة من الموازنة العامة إلى المستهلكين، من خلال ارتفاع أسعار السلع المستوردة وتكاليف الإنتاج.

كما أن انخفاض قيمة العملة لا يؤدي تلقائيا إلى تنشيط الصادرات المحلية، ما لم تكن هناك قاعدة صناعية وزراعية قادرة على زيادة الإنتاج والمنافسة.

إن معالجة العجز المالي من خلال إضعاف القوة الشرائية، دون إصلاح الإنفاق والإنتاج، ليست حلا جذريا للأزمة، وإنما إعادة توزيع لتكاليفها على المجتمع.

خامسا: العراق لا يحتاج إلى المزيد من الدولارات بقدر حاجته إلى اقتصاد ينتج ويحمي موارده

إن الخروج من هذه الأزمة يتطلب برنامجا وطنيا واضحا يقوم على إجراءات قابلة للتنفيذ والمحاسبة:

1. إغلاق منافذ تهريب الدولار وغسل الأموال عبر تدقيق التحويلات الخارجية، والتحقق من المستفيد الحقيقي، ومطابقة الفواتير التجارية مع البضائع الداخلة فعلا إلى العراق، مع إخضاع جميع المصارف وشركات الصيرفة للقواعد نفسها.
2. إعادة بناء القطاع الزراعي من خلال دعم المزارعين، وتحديث أنظمة الري، وتطوير الصناعات الغذائية، وحماية المنتجات المحلية بسياسات مدروسة لا تؤدي إلى نقص المعروض أو ارتفاع غير مبرر للأسعار.
3. إحياء الصناعة الوطنية عبر توفير الكهرباء المستقرة، والتمويل، والبنية التحتية، واستثمار الموارد المحلية في الصناعات التحويلية والبتروكيميائية والدوائية والغذائية.
4. إصلاح السياسة المالية والإنفاق الحكومي بمراجعة النفقات غير المنتجة، ومكافحة الهدر والفساد، وتحسين تحصيل الإيرادات غير النفطية، دون تحميل أصحاب الدخول المحدودة أعباء إضافية غير عادلة.
5. حماية الموظفين والمتقاعدين والفئات الهشة بإجراءات مستهدفة تراعي ارتفاع تكاليف المعيشة، وتضمن استمرار توفير الغذاء والدواء والخدمات الأساسية بأسعار يمكن تحملها.
6. تعزيز استقلالية البنك المركزي وشفافية السوق من خلال نشر البيانات المتعلقة بعرض الدولار، والتحويلات الخارجية، والفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، بما يعزز الثقة ويحد من المضاربة.
7. إخضاع الاتفاقيات والعلاقات الاقتصادية الخارجية لمعيار المصلحة العراقية، سواء كانت مع إيران أو الولايات المتحدة أو غيرهما، ومنع استخدام المؤسسات المالية العراقية للالتفاف على العقوبات أو تسهيل المعاملات غير المشروعة.

ولا يكفي إعلان هذه الإجراءات؛ بل ينبغي نشر نتائج تنفيذها بمؤشرات واضحة، تشمل حجم التحويلات المرفوضة لمخالفات الامتثال، والفجوة بين سعري الصرف، ومعدل التضخم، ونمو الإنتاج الزراعي والصناعي، وحصة الإيرادات غير النفطية من الموازنة.

سادسا: السيادة الاقتصادية لا تقبل الولاءات المزدوجة

لا يمكن لأي دولة أن تبني اقتصادا مستقلا إذا كانت قراراتها المالية والتجارية تتأثر بمصالح خارجية على حساب مواطنيها.

فالعلاقات مع الدول ينبغي أن تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة، لا على تحويل الاقتصاد الوطني إلى وسيلة لتمويل احتياجات الآخرين أو تجاوز قيود مالية مفروضة عليهم.

والرفض هنا ليس موجها ضد الشعب الإيراني أو أي شعب آخر، وإنما ضد أي ممارسة، داخلية كانت أم خارجية، تستنزف الموارد العراقية أو تضعف مؤسسات الدولة.

كما أن تحميل الولايات المتحدة أو إيران أو إسرائيل المسؤولية الكاملة عن الأزمة، دون فحص القرارات العراقية نفسها، لا يقدم تفسيرا اقتصاديا كافيا.

فالصراعات والعقوبات والضغوط الخارجية عوامل مؤثرة بلا شك، لكن حماية الاقتصاد الوطني وإصلاح بنيته الأساسية تظل مسؤولية المؤسسات العراقية.

إن معيار الوطنية ليس في حجم الولاء المعلن، بل في صون المال العام، وحماية استقلال القرار الاقتصادي، والدفاع عن حق العراقي في ثروات بلده.

وفي الختام يمكن القول ان العراق ليس بلدا فقيرا، لكن الثروة وحدها لا تصنع الازدهار

إن أخطر ما يواجه العراق ليس ارتفاع الدولار في حد ذاته، بل استمرار السياسات التي جعلت حياة المواطن مرتبطة بتقلبات سوق العملة وأسعار النفط ومصالح القوى الداخلية والخارجية.

لقد آن الأوان للانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء اقتصاد وطني حقيقي، ومن تمويل الاستهلاك إلى تمويل الإنتاج، ومن معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب.

فالعراق لا تنقصه الموارد الطبيعية، ولا العقول، ولا الخبرات، ولا الإمكانات البشرية. ما يحتاجه هو مؤسسات فاعلة، ومحاسبة حقيقية، وسياسات اقتصادية تقاس بآثارها على حياة المواطنين.

إن ثروة العراق ليست ملكا لحكومة، ولا لحزب، ولا لجماعة، ولا لدولة مجاورة أو قوة دولية. إنها حق للأجيال الحاضرة والقادمة.

والسؤال الذي يجب أن يوجَّه إلى كل مسؤول عن السياسة الاقتصادية هو: متى يتحول النفط العراقي من مصدر لتمويل الموازنة والاستيراد إلى أساس لبناء اقتصاد ينتج، وعملة مستقرة، ومواطن يعيش بكرامة؟

فالوطن الذي يملك الثروة ولا يستطيع حماية القوة الشرائية لشعبه لا يواجه مشكلة في موارده بقدر ما يواجه مشكلة في كيفية إدارتها.

والعراق يستحق اقتصادا يعمل من أجل العراقيين، لا أن يبقى العراقيون يدفعون ثمن اختلالاته.

ملاحظة:
لستُ رجلَ اقتصادٍ أو سياسة، ولا أدّعي التخصص في شؤونهما، لكن ما اكتسبناه من خبرة عبر السنين، وما راكمناه من معرفة واطلاع، وقبل ذلك كله حبّنا العميق للعراق وحرصنا الصادق على مستقبله، دفعنا إلى القراءة والبحث والتأمل في واقعنا الاقتصادي وما يواجهه بلدنا من تحديات. فنحن نؤمن بأن الاهتمام بمصير الوطن ليس حكرا على السياسيين والاقتصاديين، وأن الوطنية ليست مجرد شعارات تُرفع، بل وعيٌ ومسؤولية وموقف. ومن حقنا، بل من واجبنا، أن نتساءل: كيف لوطنٍ يمتلك كل هذه الثروات أن يبقى أبناؤه أسرى القلق المعيشي، وهم الأحق بخيراته والأجدر بمستقبل يليق بهم؟

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=96255