كتب نزار فوزي

شكّل إنشاء أسطول وطني لنقل النفط إحدى الخطوات المهمة في تطور صناعة النفط العراقية خلال سبعينيات القرن العشرين. فبعد تأميم صناعة النفط العراقية عام 1972، لم يعد العراق يكتفي بإنتاج النفط وتصديره، بل اتجه أيضاً إلى امتلاك وسيلة النقل البحري الخاصة به.
وفي هذا السياق تأسست شركة ناقلات النفط العراقية عام 1972، التابعة آنذاك للشركة الوطنية للنفط، وبدأت بتشغيل أولى ناقلاتها التي حملت أسماء مرتبطة بالحقول النفطية العراقية. وكانت «الرميلة» أول ناقلة عراقية تنقل النفط الخام المنتج محلياً، وقد قامت برحلتها الأولى في أبريل/نيسان 1972.
إلا أن طموح العراق لم يتوقف عند امتلاك ناقلات متوسطة الحجم. فقد بدأت الشركة خلال النصف الثاني من عقد السبعينيات في بناء أسطول قادر على نقل كميات ضخمة من النفط الخام، بالتزامن مع تطوير منشآت التصدير البحرية في الخليج.
المرحلة الأولى: الناقلات الإسبانية
بدأ الأسطول العراقي بمجموعة من الناقلات التي بنيت في إسبانيا، وكانت حمولتها في حدود 36 ألف طن ساكن تقريباً.
وبحسب سجل الأسطول العراقي الوارد في الدراسة الأكاديمية التي تناولت تاريخ شركة ناقلات النفط العراقية، جاءت هذه الناقلات على التوالي:

وهكذا كان الأسطول الأول يتكون من ناقلات متوسطة نسبياً، قبل أن ينتقل العراق إلى مرحلة جديدة تماماً من حيث الحجم والقدرة الاستيعابية.
«طارق بن زياد»: بداية مرحلة الناقلات اليابانية الكبيرة
تظهر في سجل الأسطول العراقي بعد الناقلات الإسبانية ناقلة «طارق بن زياد»، بحمولة تبلغ نحو 118 ألف طن ساكن، وهي أكبر بأكثر من ثلاثة أضعاف حمولة الناقلات الإسبانية الأولى.
وهنا تبدأ أهمية التعاون العراقي ـ الياباني في مجال النقل البحري النفطي.
وتشير سجلات السفينة الدولية إلى أن TARIK IBN ZIYAD حملت رقم IMO 7374072، وأنها ناقلة نفط خام تبلغ حمولتها 118,139 DWT، وطولها نحو 257 متراً، وقد بنيت في Mitsui Shipbuilding & Engineering Co. Ltd. في تامانو باليابان، برقم حوض 951.
وبذلك تمثل «طارق بن زياد» نقطة تحول واضحة في تاريخ الأسطول العراقي: من ناقلات في حدود 36 ألف طن إلى ناقلة تتجاوز 118 ألف طن.
يوجد تعارض في المصادر بشأن تاريخ «طارق بن زياد».
فالسجل التاريخي للأسطول العراقي المستخدم في الدراسة الأكاديمية يورد تاريخ استلامها في 29 يناير/كانون الثاني 1974، بينما تسجل قواعد بيانات السفن الدولية الناقلة نفسها على أنها بنيت عام 1975 في حوض ميتسوي الياباني.
ولذلك، فإن القول إن الناقلة سُلّمت للعراق في يناير 1974 يحتاج إلى مراجعة الوثيقة الأصلية للعقد أو شهادة التسليم. ومن الممكن أن يكون هناك خطأ في نقل التاريخ في أحد السجلين، ولا يصح حسم المسألة دون الرجوع إلى وثيقة البناء أو التسليم الأصلية.
اليابان والعراق: توسع كبير عام 1976
بعد «طارق بن زياد»، دخل العراق مرحلة أوسع من التعاون مع أحواض بناء السفن اليابانية.
ففي عام 1976 ظهرت ثلاث ناقلات كبيرة جداً ضمن الأسطول العراقي:
* اليرموك
* القادسية
* المتنبي
ثم جاءت الفراهيدي عام 1977.
وتؤكد مصادر بحرية مستقلة أن «اليرموك» بنيت عام 1976 بحمولة تقارب 149 ألف طن، وأن «المتنبي» و«القادسية» بنيتا أيضاً عام 1976، بينما بنيت «الفراهيدي» عام 1977 بحمولة 149,441 DWT.
أما «الفراهيدي» فتظهر في السجلات اللاحقة كناقلة عراقية بنيت عام 1977، وقد وصلت إلى ميناء بيريوس للإصلاح في 31 يوليو/تموز 1990، أي قبل يوم واحد من الغزو العراقي للكويت.
جدول الناقلات العراقية الكبيرة في السبعينيات
يمكن تلخيص المرحلة الأولى من توسع الأسطول كما يلي:

وتؤكد مصادر لاحقة مستقلة وجود «طارق بن زياد» و«اليرموك» و«المتنبي» و«القادسية» و«الفراهيدي» ضمن الأسطول العراقي، مع حمولات قريبة من الأرقام الواردة أعلاه.
هل كانت «طارق بن زياد» ناقلة VLCC؟
هنا ينبغي الانتباه إلى المصطلحات.
فحمولة «طارق بن زياد»، البالغة نحو 118 ألف طن ساكن، تجعلها ناقلة نفط خام كبيرة جداً مقارنة بالناقلات الأولى التي امتلكها العراق، لكنها لا تقع ضمن فئة VLCC بالمعنى المتعارف عليه عادةً، والتي تبدأ تقريباً عند 200 ألف طن ساكن.
ولهذا فمن الأدق تاريخياً وصف «طارق بن زياد» بأنها:
أول ناقلة عراقية كبيرة جداً من منشأ ياباني في السجل المبكر للأسطول، وليست أول VLCC عراقية بالمعنى التقني الدقيق.
والأهم أن العراق كان يخطط فعلياً لاقتناء ناقلات أكبر بكثير؛ إذ تشير مصادر تاريخية إلى أن شركة ناقلات النفط العراقية كانت تخطط في عام 1977 لاقتناء ناقلات تصل سعة الواحدة منها إلى 350 ألف طن، مع طلب ناقلات من هذا النوع من اليابان والسويد.
اليابان في استراتيجية العراق النفطية
لم يكن التعاون العراقي الياباني في مجال الناقلات منفصلاً عن العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
فالدراسات التاريخية التي اعتمدت على وثائق وزارة الخارجية العراقية ووثائق السفارات البريطانية في بغداد وطوكيو ولندن تشير إلى أن العلاقات الاقتصادية العراقية ـ اليابانية شهدت توسعاً مهماً خلال 1973–1974، في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط بصورة كبيرة وأصبحت اليابان أكثر اهتماماً بتأمين إمدادات الطاقة وفتح أسواق جديدة لمنتجاتها الصناعية.
وبالتالي فإن دخول السفن اليابانية إلى الأسطول العراقي جاء في سياق أوسع من التعاون الاقتصادي والنفطي بين البلدين.
مصير الأسطول العراقي
استمر جزء كبير من هذه الناقلات في الخدمة خلال الثمانينيات، لكن حرب الخليج الثانية أدت إلى أضرار جسيمة لعدد منها.
وتشير سجلات لاحقة إلى أن القادسية والمتنبي تعرضتا للهجوم خلال عملية عاصفة الصحراء عام 1991، بينما تعرضت طارق بن زياد وحطين أيضاً لأضرار خلال الحرب. كما بقيت «اليرموك» و«المستنصرية» في ليبيا منذ عام 1990.
أما «طارق بن زياد» تحديداً، فتظهر لها صورة موثقة في لشبونة عام 1985 أثناء وجودها في الحوض الجاف للإصلاح، وكانت آنذاك تحت تشغيل شركة ناقلات النفط العراقية وترفع العلم العراقي. وتؤكد بيانات السفينة أنها بيعت عام 1990 وغير اسمها إلى NADA، ثم خرجت من الخدمة بعد ذلك.
الخلاصة
يمكن القول، استناداً إلى السجلات العراقية والمصادر البحرية المتاحة، إن تطور أسطول ناقلات النفط العراقية مر بثلاث مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى – 1972–1973:
بدأ العراق بامتلاك ناقلات متوسطة، معظمها إسبانية الصنع، وفي حدود 36 ألف طن.
المرحلة الثانية – منتصف السبعينيات:
دخلت «طارق بن زياد»، وهي ناقلة يابانية الصنع بحمولة تقارب 118 ألف طن، لتشكل قفزة كبيرة في حجم الأسطول.
المرحلة الثالثة – 1976–1977:
توسعت المشتريات اليابانية والسويدية بصورة كبيرة، وامتلك العراق ناقلات تتراوح حمولتها بين نحو 130 و155 ألف طن، بينما كانت الخطط تتجه إلى ناقلات أكبر بكثير تصل إلى 350 ألف طن.
وعليه، فإن «طارق بن زياد» هي الاسم الأبرز والأقدم في السجل المتاح للناقلة اليابانية الكبيرة التي دخلت الأسطول العراقي، لكن تاريخ استلامها يحتاج إلى حسم بوثيقة العقد أو التسليم الأصلية بسبب التعارض بين سجل الأسطول العراقي الذي يذكر 1974 وقاعدة بيانات السفن التي تسجل بناءها في اليابان عام 1975.
المصادر الرئيسية
* دراسة أكاديمية عراقية عن تطور أسطول شركة ناقلات النفط العراقية وسجلات الشركة.
* سجلات السفن الدولية الخاصة بالناقلة TARIK IBN ZIYAD، IMO 7374072.
* دراسة أكاديمية عن العلاقات العراقية ـ اليابانية خلال 1973–1974، بالاعتماد على وثائق عراقية وبريطانية.
* مصادر تاريخية عن تأسيس شركة ناقلات النفط العراقية وبرنامج العراق لامتلاك الناقلات الكبيرة.
* أرشيف UPI الخاص بأسطول الناقلات العراقية ومصيرها بعد حرب الخليج.
