سلاح الدولة بين العقيدة الوطنية ومنطق المليشيات قراءة فلسفية نقدية في الحالة العراقية:
لا يمكن بناء دولة مستقرة بوجود قوة مسلحة تمتلك قراراً مستقلاً عن المؤسسات الدستورية، أو ترتبط بولاءات حزبية أو عقائدية خارجية تتقدم على الولاء الوطني. فالدولة الحديثة لا تُعرَّف فقط بامتلاكها جيشاً، بل بامتلاكها “الحق الحصري في تنظيم القوة واستخدامها” وفق القانون.
ومن هنا، فإن النقاش حول الحشد الشعبي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة طائفية أو إنكار لتضحيات المتطوعين في مواجهة تنظيم داعش، بل يجب أن يُطرح بوصفه سؤالاً فلسفياً ودستورياً: “هل يمكن لقوة نشأت في ظرف استثنائي، واحتفظت بهياكل وولاءات متعددة، أن تصبح جزءاً من الدولة من دون أن تفقد طبيعتها الموازية؟”
أولاً: الدولة واحتكار القوة
يرتبط مفهوم الدولة الحديثة بفكرة أساسية، هي أن السلاح لا يكون شرعياً لمجرد حمله باسم الدين أو المقاومة أو حماية طائفة معينة، بل يصبح شرعياً عندما يخضع للقانون، والقيادة المدنية للدولة ، والمساءلة القضائية، والقرار الوطني الموحد.
وقد نص الدستور العراقي في المادة التاسعة على أن القوات المسلحة تتكون من مكونات الشعب العراقي، وتخضع للسلطة المدنية، كما حظر تشكيل المليشيات العسكرية خارج إطار القوات المسلحة.
وهذا يعني أن المشكلة ليست في اسم التشكيل وحده، بل في وجود “مركز قرار عسكري مستقل”. فإذا كانت القوة المسلحة تتلقى أوامرها من جهة حزبية أو دينية أو خارجية، فإنها تتحول عملياً إلى دولة داخل الدولة، حتى لو حملت صفة رسمية.
ثانياً: الفرق بين العقيدة العسكرية والعقيدة المليشياوية
العقيدة العسكرية الوطنية تقوم على مبادئ محددة:
– الولاء للدستور لا للأشخاص.
– وحدة القيادة والسيطرة.
– احتكار الدولة للقرار العسكري.
– التدرج المهني في الرتب والمسؤوليات.
– عدم ممارسة النشاط السياسي والاقتصادي المسلح.
– الخضوع للقضاء والرقابة البرلمانية.
– حماية جميع المواطنين دون تمييز مذهبي أو قومي.
أما العقيدة المليشياوية فتقوم غالباً على الولاء للجماعة، أو الزعيم، أو المرجعية، أو المشروع العابر للحدود. وهي لا ترى الدولة دائماً مرجعاً أعلى، بل قد تتعامل معها باعتبارها ساحة للتفاوض أو الغطاء القانوني أو مصدر التمويل.
لذلك فإن إدخال عناصر مسلحة إلى مؤسسة الدولة لا يعني بالضرورة تحويلها إلى قوة عسكرية وطنية. “الزي العسكري لا يصنع عقيدة عسكرية، والراتب الحكومي لا يصنع ولاءً دستورياً، والاعتراف القانوني لا يلغي تلقائياً البنية السياسية للمليشيات”.
ثالثاً: فتوى الدفاع والنتائج السياسية اللاحقة
صدرت في يونيو/حزيران 2014 دعوة المرجعية الدينية العليا إلى الدفاع عن العراق في مواجهة تنظيم داعش، وقد ورد في البيان الرسمي حث القادرين على حمل السلاح على التطوع في القوات الأمنية والدفاع عن البلاد.
لكن من الضروري التمييز بين “الظرف الذي ولدت فيه الدعوة” وبين النتائج السياسية والعسكرية التطرفية التي ظهرت لاحقاً. فالدعوة الدينية في لحظة انهيار أمني لا تمنح تلقائياً أي تشكيل حصانة دائمة من النقد، ولا تجعل ارتباطه بالدولة أمراً محققاً بمجرد صدور قانون.
لقد أقر البرلمان العراقي في عام 2016 قانوناً جعل هيئة الحشد جزءاً من القوات المسلحة وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة. غير أن التحدي الحقيقي لم يكن تشريعياً فقط، بل كان في تطبيق مبدأ القيادة الواحدة، ومنع التداخل بين السلاح والسياسة والاقتصاد ، وضمان ألا تتحول الصفة القانونية إلى غطاء لبقاء مراكز قوة مستقلة.
رابعاً: هل الدمج حل أم إعادة إنتاج للأزمة؟
كلمة «الدمج» تحمل معنيين مختلفين:
المعنى الأول: الدمج الإداري أي دفع الرواتب، وإدخال الأسماء في الموازنة، ومنح التشكيل صفة رسمية.
المعنى الثاني: الدمج الوطني والمؤسسي**، ويعني تفكيك الولاءات الخاصة، وإعادة التدريب، وتوحيد الزي والتراتبية والانضباط، ومنع الارتباط الحزبي، وإخضاع الجميع للقضاء العسكري والمدني.
المعنى الأول قد يؤدي إلى “شرعنة القوة من دون تغيير طبيعتها” أما المعنى الثاني فيمثل انتقالاً حقيقياً من منطق المليشيات إلى منطق المؤسسة.
لذلك فإن دمج المليشيات في الجيش من دون إعادة تأهيل فكري ومهني قد يكون خطراً على الجيش نفسه؛ لأنه ينقل الانقسامات الحزبية إلى المؤسسة العسكرية، ويجعل الجيش ميداناً للصراع الداخلي بدلاً من أن يكون سوراً للوطن.
خامساً: نقد فكرة «المؤسسة الموازية»
تظهر خطورة المؤسسة المسلحة الموازية في أربعة مستويات:
1. المستوى الدستوري
وجود قوة مسلحة لا تخضع فعلياً للقيادة الرسمية يضعف مبدأ سيادة القانون، ويجعل النص الدستوري منفصلاً عن الواقع.
2. المستوى السياسي
عندما امتلك المليشيات المسلحة تمثيلاً سياسياً، يصبح التنافس الانتخابي غير متكافئ؛ لأن بعض القوى تدخل السياسة من خلال صندوق الاقتراع، بينما تدخل قوى أخرى وهي تحمل السلاح والنفوذ الأمني.
3. المستوى الاقتصادي
إن تعدد مراكز القوة ادى إلى نشوء شبكات مالية واقتصادية خارج الرقابة الطبيعية للدولة. ولا يمكن إثبات كل اتهام بالنهب أو الفساد بلا تحقيق قضائي، لكن وجود اقتصاد أمني غير شفاف يمثل بذاته خطراً على المالية العامة.
4. المستوى الاجتماع
المليشيات لا تستخدم القوة فقط، بل تنتج هوية اجتماعية قائمة على الخوف والانتماء المغلق. وعندما يشعر المواطن أن أمنه مرتبط بانتمائه الطائفي أو الحزبي، تنهار فكرة المواطنة الجامعة
سادساً: المرجعية الدينية والقرار الوطني
لا يمكن حماية الدولة العراقية عبر استبدال مرجعية خارجية بمرجعية داخلية أخرى، أو عبر تحويل الخلاف السياسي إلى صراع ضد مذهب أو دين. المطلوب هو تثبيت مبدأ واضح: “القرار العسكري والسيادي يجب أن يصدر عن المؤسسات الدستورية العراقية وحدها”.
وهذا لا يعني إلغاء الدين من المجتمع، ولا مصادرة حق المواطنين في التدين، بل يعني منع استخدام المرجعية الدينية لتأسيس قوة مسلحة مستقلة عن الدولة. فالدين يمكن أن يكون مصدراً للقيم الأخلاقية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى قيادة عسكرية موازية أو إلى أداة لإلغاء المواطنة.
سابعاً: الطريق الواقعي للإصلاح
يمكن معالجة المشكلة عبر مشروع وطني متدرج يقوم على ما يأتي:
1. “إعلان مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة” دون استثناءات دائمة.
2. “إجراء تدقيق فردي” في جميع المنتسبين، لا يقوم على الانتماء الطائفي بل على السجل القانوني والكفاءة.
3. “إعادة تأهيل عسكري وفكري” تركز على الدستور وحقوق الإنسان ووحدة القيادة والمجتمع والسيادة الوطنية.
4. “منع الجمع بين السلاح والنشاط الحزبي” وفق قواعد واضحة قابلة للتطبيق.
5. “إخضاع الموازنات والتسليح والرواتب للرقابة البرلمانية والقضائية.”
6. محاسبة مرتكبي الجرائم فردياً عبر قضاء مستقل.
7. إعادة من لا تنطبق عليه الشروط إلى الحياة المدنية مع برامج تعويض وتأهيل مهني.
8. توحيد القرار الأمني الخارجي ومنع أي مليشيات من المشاركة في صراعات إقليمية بقرار منفصل عن الحكومة العراقية.
إن القضية العراقية ليست صراعاً بين الجيش والحشد بوصفهما جماعتين اجتماعيتين، بل صراع بين نموذجين للدولة: نموذج الدولة التي تحتكر السلاح وتخضعه للقانون، ونموذج القوة الموازية التي تمتلك شرعية خاصة وقراراً اجنبيا.
فالجيش الوطني ليس مجرد تشكيل مسلح، بل مؤسسة تجسد وحدة الشعب والدستور والسيادة. أما المليشيا ت مهما كان تاريخها أو خطابها، فتظل خطراً عندما تحتفظ بولاء خاص أو قرار منفصل أو حصانة سياسية خارجية.
وعليه، فإن الحل لا يكون بدمج شكلي يوسع حجم المؤسسة الموازية داخل الدولة، بل بانتقال حقيقي من منطق المليشيات إلى منطق المواطنة، ومن الولاء الشخصي أو الخارجي إلى الولاء السيادي العراقي، ومن القوة غير المنضبطة إلى المؤسسة المهنية. ولا يتحقق ذلك إلا بوحدة العراقيين حول قاعدة واحدة: “لا سلاح فوق الدولة، ولا ولاء يعلو على العراق، ولا مؤسسة عسكرية خارج الدستور.”
حفظ الله العراق جيشاً وشعباً
