18 سبتمبر، 2026 - 5:37 مساءً
سليدرمقالات وآراء

الممرات البحرية في الاستراتيجية الأميركية ، من قناة بنما والسويس إلى مضيقي هرمز وباب المندب

بقلم: حنان عبد اللطيف

حنان عبد اللطيف

لم تعد الممرات البحرية الدولية مجرد طرق لنقل السلع والطاقة بين القارات بل تحولت بصورة متزايدة إلى أدوات في الصراع الجيوسياسي ووسائل ضغط تستخدمها الدول الكبرى لتعزيز مصالحها الأمنية والاقتصادية. وفي ظل عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض برزت الممرات المائية الاستراتيجية في قلب النقاش حول طبيعة الدور الأميركي في النظام الدولي من قناة بنما وقناة السويس إلى مضيقي هرمز وباب المندب.

منذ بداية الولاية الرئاسية الثانية لترامب ، أظهرت الإدارة الأميركية اهتمامًا متزايدًا بقضايا الملاحة الدولية وتكاليف عبور السفن الأميركية. وفي أبريل/نيسان 2025 دعا ترامب إلى السماح للسفن التجارية والعسكرية الأميركية بالمرور مجانًا عبر قناتي بنما والسويس ، وطلب من وزير الخارجية اتخاذ اجراءات جديّة لتنفيذ هذا التوجه.
وقد اصطدمت هذه المطالب بحساسية قانونية وسيادية لدى الدول المعنية. فقناة بنما على سبيل المثال ، تخضع لإدارة سلطة قناة بنما وأكدّت الحكومة البنمية أن الرسوم وسياسات العبور لا يمكن تغييرها بإرادة أحادية من واشنطن كما نفت رسميًا إعلانًا أميركيًا أفاد بإعفاء السفن الحكومية الأميركية من الرسوم مؤكدة عدم حدوث تغيير في سياسة العبور.
هذه الخلافات تبدو في ظاهرها مرتبطة برسوم العبور ، لكنها تحمل أبعادًا أوسع. فقناة بنما تمثل جزءًا من البنية التحتية الحيوية للتجارة العالمية والسيطرة على شروط استخدامها تمنح الدولة التي تديرها نفوذًا اقتصاديًا واستراتيجيًا مهمًا. ومن ثم فإن الجدل حول الرسوم لا ينفصل عن سؤال أوسع يتعلق بمن يملك القدرة على التأثير في طرق التجارة العالمية.
وعند العودة الى ملف إيران وبرنامجها النووي التسليحي والمفاوضات التي وصلت الى طريق مسدود وحوّلت الصدام بينها وبين امريكا إلى السيطرة على الممرات البحرية تتضح أهمية هذا الصدام بصورة أكبر عند الانتقال إلى المواجهة الأميركية مع إيران.

ففي 28 فبراير/شباط 2026 ، بدأت الولايات المتحدة عمليات عسكرية واسعة ضد إيران وأعلنت إدارة ترامب أن أهدافها تشمل منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتدمير قدراتها الصاروخية وإضعاف قدراتها العسكرية وانهاء ارهاب الوكلاء (الميليشيات) المرتبطة بها. وقد وصفت الإدارة العملية لاحقًا بأنها تستهدف من بين أمور أخرى، القدرات النووية والصاروخية والبحرية الإيرانية.

ولم يقتصر الخطاب الأميركي على البعد النووي. فقد ارتبطت السياسة تجاه طهران أيضًا بملفات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ودعم الوكلاء (الميليشيات) في المنطقة ، فضلًا عن ملف حقوق الإنسان والاعدامات. وتظهر الوثائق الرسمية الأميركية أن واشنطن ربطت سياستها تجاه إيران بمجموعة واسعة من المخاوف الأمنية بما في ذلك نشاط الحرس الثوري والجماعات المتحالفة مع طهران والهجمات على الملاحة التجارية في البحر الأحمر.

لكن التطور الأكثر حساسية كان انتقال الصراع من استهداف القدرات العسكرية الإيرانية إلى المجال البحري ولا سيما مضيق هرمز ، فهذا المضيق ليس مجرد ممر جغرافي ضيق ، وإنما أحد أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم. وأي اضطراب طويل الأمد في حركة السفن عبره يمكن أن ينعكس سريعًا على تكاليف النقل والتأمين وأسعار النفط والغاز ومن ثم على الاقتصادات المستوردة للطاقة. ومع تصاعد المواجهة الأميركية الإيرانية ، تحول مضيق هرمز إلى ورقة ضغط تتجاوز حدود المنطقة وعنصر أساسي في معادلة الردع والتفاوض. وأصبحت حرية الملاحة فيه مرتبطة مباشرة بالتوازن العسكري بين واشنطن وطهران.

وتقدم الإدارة الأميركية وجودها العسكري في المنطقة باعتباره وسيلة لضمان استمرار حركة التجارة والطاقة. وفي أغسطس/آب 2026 ، أعلنت الإدارة الأميركية أن القوات الأميركية تسيطر على الممرات الدولية في المضيق وتوفر الحماية للسفن التجارية.

وفي المقابل ، فإن مجرد تحول المضيق إلى ساحة للمواجهة يجعل أمن الملاحة نفسه جزءًا من الصراع. وهنا تظهر مفارقة أساسية ، فكلما ارتفع مستوى الحضور العسكري الأميركي بهدف حماية الملاحة أصبح أمن الممر البحري أكثر ارتباطًا بالتنافس العسكري بين الولايات المتحدة وإيران.

وهذا يطرح سؤالًا يتجاوز مسألة من يسيطر على المضيق ، هل تتحول حماية الممرات البحرية تدريجيًا إلى إحدى أدوات النفوذ الأميركي في إدارة الصراع الإقليمي؟

لا يمكن الجزم بأن الهدف الأميركي هو السيطرة على طرق التجارة والطاقة العالمية لمجرد وجود القوات الأميركية فيها ، لكن من الواضح أن السيطرة الفعلية على أمن أحد أهم الممرات البحرية تمنح واشنطن قدرة كبيرة على التأثير في حركة الطاقة والتجارة خلال الأزمات.
وبعدها انتقل التوتر من هرمز إلى باب المندب ، فإذا كان مضيق هرمز يمثل بوابة رئيسية لصادرات الطاقة الخليجية ، فإن باب المندب يمثل حلقة أساسية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس.

وهنا تدخل ميليشيا الحوثي اليمنية الموالية لنظام إيران في المعادلة. فقد أعادت إدارة ترامب في يناير/كانون الثاني 2025 تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية وربطت القرار بهجمات الجماعة على السفن التجارية وتهديدها للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

وأدت الهجمات الحوثية إلى اضطراب كبير في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر ، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على قناة السويس. وقد اضطرت مصر في ظل تراجع حركة السفن ، إلى دراسة حوافز وخصومات على رسوم العبور بهدف استعادة جزء من الحركة الملاحية التي تحولت إلى طرق بديلة ، وهنا تتضح العلاقة بين الممرات البحرية المختلفة وهذا يُعيدنا الى مطالب الرئيس ترامب للحكومة المصرية بإعفاء السفن التجارية والعسكرية الامريكية من رسوم قناة السويس ، فتهديد باب المندب لا يبقى محصورًا في اليمن والبحر الأحمر بل يمتد أثره إلى قناة السويس ومن ثم إلى طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.

وبذلك يصبح أمن الممرات سلسلة مترابطة ، اضطراب واحد في نقطة استراتيجية يمكن أن يدفع السفن إلى تغيير مساراتها ويرفع تكاليف التأمين والشحن ويزيد زمن الرحلات ويؤثر في إيرادات الدول التي تعتمد على رسوم العبور.
وفي هذا السياق يبرز سؤال سياسي آخر يتعلق بالتواصل الأميركي مع الحوثيين.

فإذا كانت واشنطن تصنف الحوثيين منظمة إرهابية وتتهمهم بتهديد السفن التجارية والملاحة الدولية ، فإن التواصل معهم قد يبدو من منظور سياسي متناقضًا مع سياسة الضغط العسكري ، ام انها البراغماتية الأمريكية لتحقيق هدف السيطرة عليه بحجة اخذ دور الحماية وتوفير حرية الملاحة للسفن. وهذا النوع من التناقض الظاهري ليس جديدًا في العلاقات الدولية ، فالدول قد تتفاوض مع أطراف تصنفها خصومًا أو جماعات ارهابية عندما تصبح قنوات الاتصال وسيلة لتحقيق مصالحها الإستيراتيجية.

ومن ثم ، فإن السؤال الأهم ليس بالضرورة لماذا جرى التواصل وإنما ما الهدف الذي تسعى واشنطن إلى تحقيقه من خلاله ، وما حدود التنازلات التي يمكن أن ترافق هذا التواصل؟

تكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في ضوء التحول الذي شهدته سوق الطاقة الأميركية خلال السنوات الماضية. فالولايات المتحدة أصبحت قوة كبرى في إنتاج النفط والغاز ، وتربط إدارة ترامب بين زيادة الإنتاج المحلي وبين تعزيز ما تسميه “هيمنة الطاقة” الأميركية. وقد قدمت الإدارة نفسها بوصفها قادرة على استخدام الإنتاج الأميركي لتقليل آثار اضطرابات إمدادات الطاقة العالمية. لكن ارتفاع الإنتاج الأميركي لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت منفصلة عن السوق العالمية ، فالنفط سلعة عالمية، وأسعاره تتأثر بتوقعات العرض والطلب والمخاطر الجيوسياسية وتكاليف النقل والتأمين. ولذلك فإن إغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة في باب المندب يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة حتى بالنسبة إلى الدول التي لا تعتمد مباشرة على النفط القادم عبر تلك الممرات.

ومن هنا تظهر مفارقة أخرى ، قد تؤدي اضطرابات الممرات البحرية إلى زيادة أهمية الإنتاج الأميركي ، لكنها في الوقت نفسه قد ترفع أسعار الطاقة عالميًا بما ينعكس على التضخم والنمو الاقتصادي وسلاسل الإمداد. فهل نحن اليوم أمام استراتيجية جديدة للممرات البحرية؟
يصعب اختزال السياسة الأميركية في المنطقة في هدف واحد. فهناك اعتبارات أمنية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ، واعتبارات عسكرية مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ، واعتبارات إقليمية تتصل بالميليشيات إضافة إلى اعتبارات اقتصادية مرتبطة بالطاقة والتجارة ، لكن القاسم المشترك بين هذه الملفات هو الجغرافيا الاستراتيجية.

قناة بنما تقع في قلب حركة التجارة بين المحيطين الأطلسي والهادئ، وقناة السويس تربط آسيا بأوروبا ، وباب المندب يمثل بوابة البحر الأحمر ، بينما يتحكم مضيق هرمز في منفذ رئيسي لصادرات الطاقة من الخليج. ولهذا فإن التعامل الأميركي مع هذه النقاط لا يمكن قراءته باعتباره مجموعة أزمات منفصلة تمامًا. فهي جميعًا تقع ضمن منظومة أوسع تتعلق بحرية الملاحة وأمن الطاقة وقدرة الدول الكبرى على حماية طرق التجارة أو التأثير في شروط استخدامها. ولا يعني ذلك بالضرورة أن واشنطن تسعى إلى “امتلاك” هذه الممرات ، لكن تعزيز القدرة العسكرية والدبلوماسية الأميركية على حمايتها يمنح الولايات المتحدة نفوذًا أكبر في لحظات الأزمات ، وهو النفوذ الذي سعت إدارة ترامب مما يحوّله إلى ورقة تفاوضية في التعامل مع الخصوم والحلفاء على حد سواء.

اخيراً ، عندما تصبح الملاحة جزءًا من الصراع

تكشف التطورات من قناة بنما إلى السويس الى مضيق هرمز وباب المندب عن تحول الممرات البحرية من بنية تحتية للتجارة الدولية إلى عناصر فاعلة في الصراع الجيوسياسي ، فالمعركة لم تعد تدور فقط حول البرنامج النووي الإيراني أو الصواريخ الباليستية أو الميليشيات المرتبطة بإيران ، بل باتت مرتبطة أيضًا بمن يستطيع ضمان استمرار تدفق النفط والسلع ومن يملك القدرة على تعطيل هذا التدفق ومن يستطيع حماية السفن عندما تتعرض الممرات للخطر ، وفي هذه البيئة، تصبح حماية الملاحة الدولية هدفًا أمنيًا مشروعًا بالنسبة إلى الدول ، لكنها في الوقت نفسه تمنح القوة العسكرية التي تتولى هذه الحماية نفوذًا استراتيجيًا واسعًا.

ويبقى السؤال الأهم مفتوحاً ، هل تقود هذه التطورات إلى نظام أكثر أمنًا للملاحة الدولية أم إلى تحويل الممرات البحرية نفسها إلى ساحات صراع جديدة للتنافس بين القوى الكبرى والإقليمية؟

الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على طبيعة التفاهمات التي ستنشأ حول هرمز وباب المندب وقناة السويس ، وعلى قدرة القوى الدولية والإقليمية على الفصل بين حرية الملاحة وبين صراعات النفوذ التي تتجاوزها.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=95787