المشروع الاستراتيجي: «من يملك السيادة؟»
التقرير الاستراتيجي رقم (53) / 2: «الجمهورية والثورة داخل بنية دستورية واحدة»
6 تشرين الأول / أكتوبر 2026
1. طبيعة الازدواجية الإيرانية
لا يقوم النظام الإيراني على وجود «دولة رسمية» تقابلها «دولة سرية» تعمل خارج القانون بالمعنى التقليدي، وإنما على ازدواج مؤسساتي جرى إدخاله في صلب البنية الدستورية للجمهورية الإسلامية نفسها.
فالدستور يعترف من جهة بمؤسسات جمهورية ناشئة عن الانتخاب: رئيس الجمهورية، ومجلس الشورى الإسلامي، والحكومة، والمجالس المحلية. لكنه يجعل، في الوقت نفسه، السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية تعمل ضمن الإطار الأعلى لولاية الأمر والقيادة، ويستثني من صلاحيات السلطة التنفيذية المجالات التي منحها الدستور مباشرة للقيادة.
ولهذا فإن الوصف المؤسساتي الأدق ليس وجود دولتين منفصلتين، وإنما:
دولة ذات شرعيتين متداخلتين : «شرعية جمهورية–انتخابية»، و«شرعية عقائدية–فقهية عليا»؛ تعملان داخل هيكل واحد، ولكن بمراتب سلطة غير متساوية.
وهنا تحديدًا تكمن خصوصية النموذج الإيراني.
2. الهيكل الأول: «الدولة الجمهورية»
يمثل هذا المستوى الجانب الأقرب إلى بنية الدولة الحديثة التقليدية.
أ. رئاسة الجمهورية والحكومة
الرئيس يُنتخب مباشرة من الشعب، ويصفه الدستور بأنه أعلى سلطة رسمية في البلاد بعد مقام القيادة، ويتولى رئاسة السلطة التنفيذية باستثناء الملفات التي جعلها الدستور من اختصاص القيادة.
وتندرج تحت الحكومة الوزارات والإدارة العامة وإعداد الموازنة والسياسات الاقتصادية والخدمية وإدارة قطاعات الدولة المدنية، فضلًا عن الجهاز الدبلوماسي ممثلًا بوزارة الخارجية.
إذن فالرئيس الإيراني ليس منصبًا شكليًا؛ إنه يدير جهازًا حكوميًا ضخمًا ويتمتع بصلاحيات تنفيذية حقيقية، لكنه ليس مركز السيادة الأعلى في النظام.
ب. «مجلس الشورى الإسلامي»
يمثل البرلمان المؤسسة التشريعية المنتخبة، لكنه لا يمتلك السيادة التشريعية المطلقة؛ إذ إن القوانين التي يقرها تخضع لمراجعة مجلس صيانة الدستور للتأكد من توافقها مع الدستور والمعايير الإسلامية.
وتنص المواد 91–96 على تشكيل مجلس صيانة الدستور وعلى إلزام البرلمان بإحالة تشريعاته إليه قبل أن تصبح نافذة.(Constitute project)
وهنا تبدأ أولى نقاط التقاء الجمهورية والثورة داخل المؤسسة الدستورية نفسها.
3. الهيكل الثاني: «دولة القيادة والثورة»
هذا هو المستوى الذي يحفظ هوية النظام ومرجعيته العقائدية واتجاهه الاستراتيجي، وتتركز قمته في مؤسسة القيادة.
فالمادة 110 من الدستور تمنح القائد صلاحيات واسعة تشمل رسم السياسات العامة للنظام والإشراف على حسن تنفيذها، والقيادة العليا للقوات المسلحة، وإعلان الحرب والسلام والنفير العام، وتعيين كبار المسؤولين في المؤسسات السيادية، ومن بينهم رئيس السلطة القضائية وقائد الحرس الثوري وكبار القادة العسكريين. (Constitute project)
ومن هنا تظهر إحدى أهم مفاتيح فهم النظام:
«الرئيس يدير الحكومة، أما المرشد فيحرس اتجاه النظام».
وعليه، فإن الازدواجية الإيرانية ليست مجرد توزيع إداري للوظائف، بل تقسيم بين إدارة الدولة اليومية وبين حماية النظام وتحديد اتجاهه الاستراتيجي الأعلى.
4. «مجلس صيانة الدستور»:
بوابة الربط بين الجمهورية والعقيدة
يُعد مجلس صيانة الدستور إحدى أكثر المؤسسات أهمية في فهم الهندسة الإيرانية؛ فهو لا يدير وزارة ولا جيشًا، لكنه يقف عند بوابتين أساسيتين للسلطة: القانون والانتخاب.
فهو يراجع التشريعات التي يقرها البرلمان للتأكد من توافقها مع الدستور والشريعة، ويملك كذلك أدوارًا دستورية في الإشراف على الانتخابات والاستفتاءات.
وبذلك يؤدي وظيفتين مركزيتين:
♦️ الرقابة على التشريع: فلا تكفي إرادة الأغلبية البرلمانية وحدها لكي يصبح القانون نافذًا.
♦️ الرقابة على المجال السياسي: بما يجعل المنافسة الانتخابية نفسها تعمل داخل الحدود التي يرسمها النظام الدستوري–العقائدي.
وهكذا لا يكون مجلس الصيانة «برلمانًا ثانيًا»، بل مرشحًا دستوريًا–عقائديًا فوق العملية البرلمانية.
ومن زاوية بقاء النظام، تمثل هذه المؤسسة إحدى نقاط قوته. ومن زاوية الديمقراطية التنافسية، تمثل في الوقت نفسه أحد أهم قيوده.
5. «مجلس خبراء القيادة»:
الشرعية غير المباشرة لقمة الهرم
من الخطأ تصوير المرشد وكأنه يعين نفسه أو أن منصبه منفصل تمامًا عن أي مسار انتخابي.
فالدستور يجعل اختيار القائد من اختصاص مجلس خبراء القيادة، وأعضاء المجلس منتخبون من الشعب، كما يملك المجلس دستوريًا صلاحية تقرير فقدان القائد لشروط المنصب وإنهاء ولايته عند تحقق ذلك. لكن البنية تصبح أكثر تعقيدًا لأن انتخابات مجلس الخبراء نفسها تقع ضمن منظومة الرقابة الانتخابية التي يشرف عليها مجلس صيانة الدستور.
ومن هنا تنشأ دائرة شرعية مركبة:
الشعب → ينتخب مجلس الخبراء → مجلس الخبراء يختار القائد
لكن هذه الحلقة الانتخابية تعمل داخل منظومة مؤسسات عقائدية تراقب شروط الدخول إليها.
أي أن النظام الإيراني لم يفصل الشرعية الشعبية عن الشرعية العقائدية، بل أدخلهما في دورة واحدة مع تراتبية واضحة بينهما.
6. «مجمع تشخيص مصلحة النظام»:
مؤسسة فك الاشتباك
إذا رفض مجلس صيانة الدستور تشريعًا أقره البرلمان بسبب تعارضه مع الشريعة أو الدستور واستمر الخلاف، يظهر دور مجمع تشخيص مصلحة النظام بوصفه إحدى آليات تسوية التعارض.
كما يشكل المجمع هيئة استشارية مهمة للقيادة في رسم السياسات العامة، ويرتبط تشكيله وصلاحياته مباشرة بالبنية العليا للنظام.
وهنا تظهر مسألة مهمة:
إيران لم تترك ازدواج مؤسساتها يتحول تلقائيًا إلى صراع مفتوح بين مؤسساتها؛ بل بنت مؤسسات وظيفتها إدارة الخلاف داخل النظام نفسه.
وهذه إحدى ركائز صلابته المؤسساتية.
7. «المجلس الأعلى للأمن القومي»:
غرفة التقاء المستويين
إذا أردنا البحث عن المؤسسة التي تجتمع فيها الجمهورية والقيادة والأمن والعسكر والخارجية حول طاولة واحدة، فإن المجلس الأعلى للأمن القومي هو المثال الأوضح.
يرأس المجلس رئيس الجمهورية، ويضم رؤساء السلطات ومسؤولين حكوميين وأمنيين وعسكريين، وممثلين يعينهما القائد، إضافة إلى كبار مسؤولي القوات المسلحة والحرس الثوري.
لكن المادة 176 تضع عمله داخل السياسات العامة التي يحددها القائد، وتنص صراحة على أن قراراته تصبح نافذة بعد تأييد القيادة. (Constitute project)
ومن هنا يمكن اختزال فلسفة هذه المؤسسة في جملة:
«الرئيس يرأس الطاولة، لكن القيادة تحدد الإطار الاستراتيجي وتملك التصديق النهائي».
وهنا يظهر الفارق بين رئاسة المؤسسة وامتلاك السيادة عليها: الأولى للرئيس، أما الكلمة النهائية في القرار الاستراتيجي فللقيادة.
وهذا يوضح أن الازدواجية الإيرانية ليست بالضرورة ازدواجية فوضوية، بل ازدواجية صُممت لها أدوات دمج وحسم.
8. «الجيش والحرس الثوري»:
ازدواج القوة ووحدة القيادة العليا
هنا نصل إلى أحد أهم مظاهر النموذج الإيراني.
تضم إيران قوتين عسكريتين رئيسيتين:
♦️ «الجيش النظامي» (Artesh): ويتولى وفق الدستور الدفاع عن استقلال البلاد ووحدة أراضيها ونظام الجمهورية الإسلامية.
♦️ «الحرس الثوري» (IRGC): الذي نص الدستور على استمرار وجوده ودوره في حماية الثورة ومكتسباتها.
وتؤكد المادتان 143 و150 هذا الفصل الوظيفي بين المؤسستين، بينما تضع المادة 110 القيادة العليا للقوات المسلحة بيد القائد. (Constitute project)
وبذلك يكون من غير الدقيق وصف الحرس بأنه «ميليشيا خارج الدولة»؛ فهو مؤسسة دستورية رسمية أصبحت مع الزمن لاعبًا عسكريًا وأمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا واسع التأثير. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الحرس يجيب مباشرة للقيادة وله حضور عميق في السياسة والاقتصاد الإيرانيين. (Council on Foreign Relations)
ومن هنا تأتي القاعدة الأهم:
«ازدواج القوة في إيران لا يعني ازدواج القيادة العليا».
وهذا فارق مؤسساتي جوهري سيصبح أكثر وضوحًا عندما نقارنه بالحالة العراقية.
9. «الاقتصاد الموازي»:
البُنياد والحرس ومؤسسات ما فوق الحكومة
لا تتوقف الازدواجية الإيرانية عند الدستور والسلاح.
فبعد الثورة ظهرت مؤسسات اقتصادية وشبه خيرية ضخمة تُعرف بـ «البُنياد Bonyads»، وحصلت على أصول واسعة وتطورت إلى فاعلين اقتصاديين كبار يتمتع بعضهم بدرجات مهمة من الاستقلال عن آليات الرقابة الحكومية التقليدية. كما توسع الحرس الثوري منذ مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب العراقية–الإيرانية في الإنشاءات والطاقة والاتصالات والمال وقطاعات اقتصادية متعددة. (Iran Primer)
وهذا يعني أن المنظومة الثورية لم تعتمد كليًا على الوزارات المدنية في إنتاج الموارد.
فالازدواج السياسي والأمني حصل مع الزمن على قاعدة اقتصادية تعزز استقلاله النسبي واستمراره.
وسنفرد لهذه المسألة تقريرًا اقتصاديًا مستقلًا، لأن حجمها ووظيفتها يتجاوزان حدود هذا المدخل المؤسساتي.
10. كيف تعمل الماكينة الإيرانية؟
يمكن تبسيط البنية على النحو الآتي:
الشعب ↓ ينتخب الرئيس والبرلمان ومجلس الخبراء ↓ مؤسسات الجمهورية
وبالتوازي:
ولاية الفقيه ↓ القيادة ↓ مؤسسات الرقابة والعقيدة والأمن والقوة
وبين المسارين توجد جسور للتنسيق والرقابة والحسم:
♦️ مجلس صيانة الدستور. ♦️ مجمع تشخيص مصلحة النظام. ♦️ المجلس الأعلى للأمن القومي. ♦️ مجلس خبراء القيادة.
ومن ثم لا تعمل المؤسستان في عالمين منفصلين؛ بل تتشابكان بصورة منظمة في نقاط محددة، مع وجود مرجعية نهائية أعلى في القضايا الاستراتيجية.
ومن هنا يمكن صياغة الفرضية الأولى للمشروع بشأن إيران:
«إيران وزعت المؤسسات، لكنها سعت إلى منع توزيع السيادة».
11. التقييم المؤسسي المحايد: عوامل القوة
لا يعني الحديث عن نقاط القوة تبني النظام سياسيًا، كما لا يعني نقده إنكار قدرته المؤسساتية. المطلوب هنا هو تقييم النموذج كما يعمل.
أولًا: وضوح مركز الحسم
مهما تعددت المؤسسات، فإن النظام يعرف أين تنتهي سلسلة الخلاف في الملفات الاستراتيجية.
وهذا يحد من تحول التعدد المؤسسي إلى تعدد دائم لمراكز السيادة.
ثانيًا: الاستمرارية عبر تغير الحكومات
يمكن أن تتغير هوية الرئيس أو الاتجاه السياسي للحكومة، لكن المبادئ العليا للنظام لا تتبدل تلقائيًا مع كل دورة انتخابية.
ومن زاوية التخطيط طويل الأمد، يمنح ذلك النظام استمرارية استراتيجية عالية.
ثالثًا: توزيع وظيفي للسلطة
الحكومة تدير جانبًا كبيرًا من الدولة اليومية، بينما تضطلع مؤسسات القيادة والأمن بحماية هوية النظام واستراتيجيته العليا.
وهذا يسمح بتراكم الخبرة والمؤسسات خارج دورات الحكومات القصيرة.
رابعًا: وجود آليات لفك الاشتباك
مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص المصلحة والمجلس الأعلى للأمن القومي أدوات صُممت كي تمنع الخلاف بين المؤسسات من التحول إلى شلل مفتوح.
خامسًا: قدرة مرتفعة على الصمود
تعدد مؤسسات القوة والموارد يوفر للنظام مستويات احتياطية عند تعرض إحدى مؤسساته للضغط.
كما أن المكانة السياسية والاقتصادية والأمنية المتزايدة للحرس الثوري أضافت إلى النظام مركز قوة يستطيع حماية استمراريته في أوقات الأزمات.
(Council on Foreign Relations)
12. الجانب السلبي: كلفة هذه الهندسة
أولًا: عدم تكافؤ الشرعيتين
هناك انتخابات ومؤسسات منتخبة، لكن نتائج العملية الانتخابية تعمل داخل حدود مؤسسات لا تستمد شرعيتها كلها مباشرة من الاقتراع الشعبي.
ومن هنا يظهر السؤال:
إذا تعارضت الإرادة الانتخابية مع مقتضيات بقاء النظام، أيهما تتقدم؟
والهندسة الإيرانية تعطي الأفضلية بوضوح لاستمرارية النظام ومرجعيته العليا.
ثانيًا: الفجوة بين السلطة والمساءلة
يمكن للمواطن محاسبة الرئيس والبرلمان انتخابيًا، لكنه لا يستطيع عبر الانتخابات وحدها تغيير جميع مراكز صنع القرار.
ومن هنا قد يمتلك فاعل ما جزءًا مهمًا من السلطة من دون أن يخضع للمساءلة الانتخابية نفسها التي يخضع لها المسؤول المنتخب.
ثالثًا: اتساع المؤسسات شبه الحكومية
البُنياد والمؤسسات الاقتصادية المرتبطة بالحرس تجعل الحدود بين العام والخاص وشبه العام والعقائدي أقل وضوحًا، وتثير أسئلة متكررة حول المنافسة والشفافية والرقابة. (Iran Primer)
رابعًا: تضييق المجال السياسي من المنبع
لأن الرقابة الدستورية لا تقتصر على القوانين بعد صدورها، بل تمتد إلى المجال الانتخابي نفسه، فإن حماية هوية النظام يمكن أن تتحول إلى أداة لتحديد حدود التنافس السياسي قبل وصول المنافس إلى المؤسسة.
خامسًا: الاستمرارية قد تتحول إلى تصلب
الخاصية التي تمنح النظام قدرة على الاستمرار وعدم الانقلاب السريع في الاتجاهات قد تجعل تعديل المسار أكثر صعوبة عندما تتغير الظروف الداخلية أو الدولية.
وبعبارة أخرى:
ما يمنح النظام صلابة في الأزمات قد يقلل مرونته عندما يصبح التغيير العميق ضرورة.
الخلاصة المؤسساتية
الدولة المزدوجة في إيران ليست انقسامًا بين «دولة» و«لا دولة»، وليست سلطة رسمية تقابلها ميليشيا خارجة عليها؛ إنها هندسة دستورية أقامت جمهورية منتخبة داخل إطار عقائدي أعلى، وأنشأت لكل منهما مؤسسات ووظائف، ثم ربطتهما بسلسلة من مجالس الرقابة والتنسيق والحسم تنتهي، في القضايا الاستراتيجية، عند مؤسسة القيادة.
ومن هنا تكمن قوة النموذج ومشكلته في الوقت نفسه: تعدد مؤسساته لا يؤدي بالضرورة إلى تعدد مركز السيادة، لكنه يجعل الشرعية الانتخابية تعمل داخل حدود شرعية عقائدية أعلى منها.
وبذلك يمكن اختزال القاعدة المؤسساتية الإيرانية الأولى في مشروع «من يملك السيادة؟» بالعبارة الآتية:
«إيران: ازدواج المؤسسات… ووحدة المرجعية السيادية».
الدكتور ثائر العجيلي
باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي
