21 أغسطس، 2026 - 5:13 مساءً
مقالات وآراء

مَفاهِيمُ وَمُصْطَلَحات CARPE DIEM.. «اِغْتَنِمِ اليَوْم»

بقلم/د. عبد الرحيم الشويلي

د. عبد الرحيم الشويلي

تَخْتَلِفُ الثَّقافاتُ والحَضاراتُ باختلافِ آدابِها ومَوْرُوثِها الفِكْرِيِّ والتُّراثيِّ، وتَحْتَفِظُ اللُّغاتُ والآدابُ بمفاهيمَ ومُصْطَلحاتٍ تَتَجاوَزُ حُدودَ الزَّمانِ والمكان، فَتَنْتَقِلُ مِن حَضارةٍ إلى أُخرى، حامِلَةً معها تَجْرِبَةً إنسانيّةً تَتَجَدَّدُ دَلالاتُها مع تَعاقُبِ الأزمنة.
ومِن بَيْنِ هذه المفاهيمِ يَبْرُزُ المُصْطَلَحُ اللاتينيُّ Carpe Diem، الذي حَضَرَ بقوّةٍ في الأدب، ولا سيَّما الشِّعرِ الإنكليزي، بوصفِهِ دَعْوَةً إلى اغتنامِ اللحظةِ الحاضرة، وتَقْديرِ الحياةِ قبلَ أن تَمُرَّ مِن دونِ أن نُدْرِكَ قيمتَها.
أَصْلُ المُصْطَلَح
تَرِدُ عبارةُ Carpe Diem في قصيدةٍ للشاعرِ الرومانيِّ هوراس (Horace) كُتِبَتْ نحوَ عامِ 23 ق.م، ضمنَ العبارة:
Carpe diem, quam minimum credula postero
أي: «اِغْتَنِمِ اليومَ، ولا تَثِقْ بالغدِ إلا بالقدرِ الأقل.»
وليس المقصودُ من العبارةِ الدَّعوةَ إلى اللهوِ أو التَّهَوُّر، وإنّما الإدراكُ العميقُ لقِصَرِ الحياة، وعدمُ إضاعةِ الحاضرِ في انتظارِ مستقبلٍ لا نملكُ ضمانَه.
وهكذا تحوَّلَ المفهومُ، عبرَ القرون، إلى فكرةٍ إنسانيّةٍ تجاوزتْ حدودَ الأدب، ودخلتْ عالَمَ الفلسفةِ والثقافةِ والفنون، حتى وصلتْ أصداؤها إلى الثقافةِ الحديثة، وكان من أشهرِ حضورِها السينمائيِّ فيلمُ «جمعيةُ الشعراءِ الموتى» (Dead Poets Society).
CARPE DIEM في الأدبِ الإنكليزي
تَجَلّى هذا المفهومُ بوضوحٍ في شعرِ الشاعرِ الإنكليزيِّ روبرت هيريك (Robert Herrick) في القرنِ السابعَ عشر، ولا سيَّما في قصيدتِهِ الشهيرة:
To the Virgins, to Make Much of Time
التي يقولُ في مطلعِها:
Gather ye rosebuds while ye may,
Old Time is still a-flying;
And this same flower that smiles today,
Tomorrow will be dying.
أي:
«اِجْمَعوا بَراعِمَ الوَرْدِ ما دُمْتُم تَسْتَطِيعون؛
فَالزَّمَنُ العَجوزُ لا يَكُفُّ عنِ الطَّيَران؛
وهذهِ الزَّهْرةُ التي تَبْتَسِمُ اليوم،
سَتَذْبُلُ غَدًا.»
هنا يصبحُ الوردُ رمزًا للشبابِ والجمالِ وقِصَرِ العُمر، وتتحوَّلُ القصيدةُ إلى تذكيرٍ بأنَّ اللحظةَ التي نعيشُها الآن هي ما نملكهُ حقًّا، قبلَ أن تَغْدوَ ذكرى.
أَهَمِّيَّةُ CARPE DIEM
لا يقولُ لنا Carpe Diem: عِشْ بلا غد، بل يقولُ: لا تَدَعِ الغدَ يَسْرِقُ منك اليوم.
فقد تكونُ اللحظةُ التي نُهْمِلُها الآن هي أكثرَ ما نحتاجُ إليه غدًا: حديثًا مع صديق، أو لقاءً مع إنسانٍ نُحبُّه، أو تأمُّلًا في الطبيعة، أو كلمةَ شكرٍ لم نَقُلْها، أو خطوةً صغيرةً نحوَ حُلْمٍ طالَ تأجيلُه.
إنّهُ مفهومٌ يَدْعونا إلى الحضورِ الواعيِ في الحياة، والشجاعةِ في المبادرة، والتعبيرِ عن المشاعر، وعدمِ تأجيلِ ما يمكنُ أن يمنحَ أيامَنا معنى.
كَيْفَ نُطَبِّقُ CARPE DIEM؟
الاِمْتِنان: تَوَقَّفْ كلَّ يومٍ عندَ شيءٍ واحدٍ يستحقُّ أن تَحْمَدَ الحياةَ عليه.
الاِنْتِباه: أَغْلِقْ أبوابَ المشتِّتاتِ أحيانًا، وانظرْ إلى ما حولَكَ بعينٍ حاضرة.
المُبادَرَة: اِتَّخِذْ خطوةً واحدةً، ولو صغيرة، نحوَ هدفٍ طالَ تأجيلُه.
التَّواصُل: اِمْنَحْ مَن تُحِبُّهم وقتًا حقيقيًّا؛ فالوقتُ الذي نُعطيهِ للآخرينِ لا يعودُ، لكنَّهُ يَبْقَى في الذاكرة.
العِنايةُ بالنَّفْس: اِهْتَمَّ بصحَّتِكَ الجسديّةِ والنفسيّة؛ فاغتنامُ الحياةِ لا يعني استنزافَها.
التَّحَدِّي
قد يُساءُ فَهْمُ Carpe Diem، فيتحوَّلُ من فلسفةٍ للحضورِ والوعي إلى ذريعةٍ للاندفاعِ والتهوُّر.
والحقيقةُ أنَّ اغتنامَ اليومِ لا يعني إهمالَ الغد، بل يعني أن نعيشَ الحاضرَ بوعي، ونُعِدَّ للمستقبلِ بحكمة.
فالحياةُ المتوازنةُ ليستْ أن نختارَ بينَ اليومِ والغد، وإنّما أن نمنحَ اليومَ حقَّه، ونتركَ للغدِ مكانَه.
خَاتِمَة
مِن هوراس إلى روبرت هيريك، ومن الشعرِ القديمِ إلى الثقافةِ الحديثة، ظلَّ Carpe Diem يحملُ رسالةً إنسانيّةً واحدة:
الحياةُ عابرة، واللحظةُ التي تَمُرُّ لا تعود.
لذلك، فلنَعِشْ حاضرَنا بشغف، ولِنُقَدِّرْ ما بينَ أيدينا، ولِنَقُلْ ما ينبغي أن يُقال، ولِنَفْعَلْ ما ينبغي أن يُفْعَل، من دونِ أن نُديرَ ظهورَنا للغد.
فَلَيْسَ اغتنامُ اليومِ أن نَنْسى المستقبل؛
بَلْ أَلّا نَخْسَرَ الحاضرَ ونحنُ نَنْتَظِرُه.

عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
21.أفسطس.آب.2026م.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=94794