23 يوليو، 2026 - 6:56 مساءً
سليدرمقالات وآراء

مِنْ دَفْتَرِ الذِّكْرَيَات (5) أَيَّامُ الشَّبَابِ… وَمَجَانِينُ بَغْدَادَ الجَدِيدَةِ

د. عبد الرحيم الشويلي

في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، أكملتُ دراستي المتوسطة والإعدادية في مدينة بغداد الجديدة، تلك المدينة التي كانت تبدو لنا، نحن شباب ذلك الزمن، مدينةً مثاليةً إذا ما قيست بسائر مناطق بغداد. كانت تنبض بالحياة؛ مطاعم فخمة، وبارات أنيقة، ومقاهٍ شعبية، وأسواق ومحال تجارية ذاع صيتها منذ سبعينيات القرن الماضي، وما زال كثير منها حاضرًا في الذاكرة حتى اليوم.
غير أن أكثر ما كان يلفت الانتباه فيها، وربما أكثر ما منحها فرادتها، كثرةُ المجانين وغريبي الأطوار الذين يجوبون شوارعها وأزقتها. ويعود ذلك، في الغالب، إلى قربها من أقدم مستشفى للأمراض العقلية في منطقة الشماعية بمدينة الرشاد، حتى غدت كلمة “الشماعية” في الذاكرة الشعبية مرادفًا لمستشفى الأمراض العقلية، أينما كان موقعه… حتى لو نُقل إلى كوكب زحل.
وبسبب قسوة المعاملة آنذاك، إلى جانب ظروف أخرى، كان بعض النزلاء يهربون من المستشفى، ليجدوا في شوارع بغداد الجديدة ملاذًا مؤقتًا، يتجولون فيها بحرية، حتى أصبحوا جزءًا من المشهد اليومي للمدينة.
لا أعرف كيف استطاع أحد أصدقائي، وكان يعمل مصورًا فوتوغرافيًا في استوديو صغير قرب سينما البيضاء، أن يجمع هؤلاء جميعًا في صورة فوتوغرافية واحدة. كانت صورة جماعية كبيرة يعلّقها على واجهة محله، وكلما مررتُ أمامها توقفت طويلًا أتأمل تلك الوجوه التي حفظناها عن ظهر قلب.
هناك إبراهيم “المخبل”، الذي ما إن يعبث به أحد الصبية حتى ينهال بسيلٍ من الشتائم، لا يكتفي فيها بآباء المتحرشين وأجدادهم، بل يضم إليهم الحكومة أيضًا، وكأنها طرفٌ مباشر في المشاجرة. وكما هو معروف، فإن حكومات ذلك الزمان لم تكن تتسامح كثيرًا مع مثل هذا “المزاح” الثقيل.
وهناك عدنان، بلحيته الكثة الطويلة، ينتعل بسطالًا عسكريًا، ويرتدي دشداشة قصيرة يشدها بحزام عسكري. كان قليل الكلام إلى حد الصمت، وإذا استفزه أحد اكتفى بابتسامة غريبة، يكشف فيها عن أسنان أنهكها الإهمال، وكأن ابتسامته وحدها لغته التي يخاطب بها العالم.
أما قدوري، الذي اشتهر بلقب “المسوَّدن”، فكان يرتدي بدلة سوداء عتيقة، وربطة عنق تبدو وكأنها نجت من العصر الحجري، وحذاءً جلديًا قديمًا يذكّرني دائمًا بحذاء أبي القاسم الطنبوري. وكان يردد بلا انقطاع جملًا مبعثرة لا يكاد يفهم منها أحد شيئًا، وما زلت أذكر بعضها حتى اليوم: “طقطق منقارك… اغربي عني… لقد وزنك زاد!”، ثم يسترسل في حديث لا يفهمه إلا هو.
والعجيب أن هؤلاء لم يكونوا يجتمعون في مكان واحد قط. لكل واحد منهم زمانه ومكانه، يظهر فجأة ثم يختفي فجأة، وكأنه شهاب عابر. لذلك بقيت تلك الصورة الجماعية لغزًا يحيرني حتى اليوم. كيف جمعهم صديقي؟ وكيف أقنعهم بالوقوف أمام عدسة واحدة؟ وكيف استطاع أن يقتنص تلك اللحظة التي لم تتكرر؟
أسئلة كثيرة بقيت بلا جواب.
لكن الزمن منحني جوابًا آخر، ربما كان أهم من كل تلك الأسئلة.
أدركت، بعد سنوات طويلة، أننا نحن الذين كنا بحاجة إلى التعافي، لا هم. كنا نسخر منهم، بينما كانوا يحملون قلوبًا نقيَّة لا تعرف الحقد ولا الكراهية. لم أعرف بينهم حاقدًا، ولا رأيت في وجوههم رغبةً في الانتقام. كانت الابتسامة، مهما بدت غريبة، لا تفارق محياهم، وكأنهم يعيشون في عالم أقل قسوة من عالمنا.
وعندها فقط فهمت سر صديقي المصور. لم يكن يصورهم بدافع الطرافة أو الغرابة، بل لأنه وجد بينهم إنسانيةً خالصةً لا تشوبها المصالح ولا الأقنعة. كان يأنس بصحبتهم، ويجلس معهم، ويشاركهم الطعام والحديث، ثم يلتقط لهم صورًا فردية وجماعية، وكأن عدسته لم تكن تلتقط صور وجوههم فحسب، بل كانت تحفظ لهم مكانًا كريمًا في ذاكرة المدينة… وفي ذاكرة صديقٍ لم ينسهم قط.

بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
23 تموز / يوليو 2026م

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93921