لم تعد المواجهة الأميركية–الإيرانية تبحث عن لحظة حسم بقدر ما بدأت تبحث عن قواعد جديدة للاستمرار. فواشنطن تعيد هندسة الحرب إلى «نمط» يمكن إدارته لسنوات، يحمي هرمز ويخفض كلفة المواجهة من دون مغادرة الصراع؛ فيما ترى طهران أن البقاء في حالة «لا حرب ولا سلام» يستنزفها أكثر مما يحميها، فتتجه إلى «تغيير العقيدة العسكرية من الدفاع إلى الهجوم وأخذ زمام المبادرة». وبين استراتيجية أميركية تريد احتواء الحرب، ورهان إيراني يريد كسر جمودها، لم يعد السؤال من سينتصر سريعاً؛ بل من يستطيع أن يغيّر قواعد اللعبة، ثم يتحمل كلفة القواعد التي غيّرها.
النمط الأميركي
بدأت ملامح «نمط أميركي جديد» لإدارة المواجهة تتشكل من تكرار دورة ميدانية واحدة: تمر السفن عبر الممر العُماني الجنوبي، ثم تتعرض الملاحة للتهديد، فترد الولايات المتحدة بضرب قدرات الساحل الإيراني؛ وبعد انخفاض الخطر تعود حركة العبور، ثم ما إن تستعيد إيران جزءاً من قدرتها على تهديد هرمز حتى تشن واشنطن حملة جديدة على السواحل الإيرانية. هنا لا نقول إن نمطاً قد تكرّس، بل إن نمطاً بدأ يتشكل. فهل يعني ذلك أننا قد نشهد، بعد خمس أو ست أسابيع، حملة أميركية جديدة من القصف؟ نعم، يبقى ذلك ممكناً، لكن الانتخابات الأميركية ستكون عندها على الأبواب، بما يجعل كلفة تكرار الدورة نفسها جزءاً من الحساب السياسي.
ومن هنا، لا يمكن اعتبار هذا النمط عقيدة مكتملة، لكنه يسمح باستشراف استراتيجية أميركية لحرب متوسطة أو بعيدة الأمد: استمرار الضغط على الموانئ الإيرانية، وتأمين السفن، وضرب القدرات الساحلية كلما استعادت مستوى يهدد الملاحة، مع خفض الكلفة على الاقتصاد العالمي والداخل الأميركي. ويتقاطع ذلك مع الحديث عن «استراتيجية شاملة للتعامل مع إيران واحتوائها خلال العامين المقبلين ضمن تحالف دولي وإقليمي». وهنا يصبح الانتقال من «الحرب» إلى «الصراع» أو «العمليات العسكرية» أكثر من تغيير لغوي؛ إنه محاولة لإدارة المواجهة داخل إطار سياسي وتشريعي أوسع لصلاحيات الرئيس في الدفاع عن النفس، مع إبقائها قابلة للاستمرار زمنياً.
ويفرض استنزاف الذخائر قيداً آخر على هذا النمط؛ فالحرب الطويلة لا تُقاس بما تملكه الدولة اليوم فقط، بل بما تستطيع إعادة إنتاجه غداً من صواريخ واعتراضات وذخائر، من دون إضعاف جبهات أخرى. وهكذا يصبح الخروج من حرب لم تُحسم انتقالاً من معركة تبحث عن نصر نهائي إلى نمط يبحث عن قابلية الاستمرار.
معادلة هرمز
تظهر فلسفة ترامب بأوضح صورها في معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»: لكل فعل كلفة مفهومة وقريبة، والرد يجب أن يكون قوياً بما يكفي للردع ومحدوداً بما يكفي لمنع كل حادث من التحول إلى حرب شاملة. وتتصل هذه المعادلة بهدف أوسع في سوق الطاقة: ضمان استمرار تدفق نفطي كافٍ عبر مضيق هرمز حتى لو بقي المرور مرتفع الكلفة ومحفوفاً بالمخاطر. ووفق ما أشار إليه وزير الطاقة الأميركي، فإن بقاء نحو ((8 ملايين برميل يومياً عبر المضيق، مع إضافة نحو ((5–6 ملايين برميل عبر خطوط الأنابيب البديلة، يخلق حجماً من الإمدادات يمكن للأسواق أن تتعايش معه. وإبقاء أوبك+ سياسة الإنتاج من دون تغيير يعزز الفكرة نفسها: المشكلة لم تعد فقط في عدد البراميل المنتجة، بل في الطريق الذي يصل بها إلى السوق.
«استمرار التدفق أهم من انخفاض كلفة المرور.»
«استراتيجية ترامب لا تبحث أولاً عن هرمز بلا كلفة؛ بل عن هرمز لا يستطيع أحد إغلاقه.»
قواعد اللعبة
في الجهة الإيرانية، يكتسب قول محمد باقر قاليباف إن «قواعد اللعبة قد تغيّرت» معنى أكثر خطورة عندما يضيف أن «عهد الردود المتناسبة قد ولّى». فالمسألة لم تعد مجرد ردّ محسوب داخل الحدود السابقة، بل انتقال نحو تغيير جغرافية الاشتباك نفسها: «تغيير قواعد الاشتباك اليوم: تمديد المنطقة المحظورة من المياه الإقليمية الإيرانية إلى المياه الدولية»، بما ينقل الردع من حماية الحدود إلى محاولة تقييد حركة الخصم خارجها، بالتوازي مع استهداف الوجود الأميركي وقطعه البحرية.
إيران لا تريد فقط الرد داخل قواعد اللعبة؛ تريد أن تصبح شريكاً في كتابة القواعد نفسها.
سُلّم الهيمنة والألم
هنا يقع بيت القصيد. ففي القراءة التي يطرحها محللون إيرانيون مثل أحمديان ومصداقيان، لم يعد الجمود بين «لا حرب ولا سلام» صالحاً للمصالح الإيرانية، ولذلك جاءت الإشارات المنسوبة إلى محسن رضائي وقاليباف نحو «تغيير العقيدة العسكرية من الدفاع إلى الهجوم وأخذ زمام المبادرة». وهذه العبارة هي مفتاح التحول كله؛ فإيران لا تعلن امتلاك تفوق عسكري جديد على الولايات المتحدة، بل تقول إن الانتظار نفسه أصبح مكلفاً.
ومن هنا، وعلى وفق المثل الشعبي «مُجبرٌ أخاك لا بطل»، تظهر مفاهيم «الهيمنة في التصعيد» و«التصعيد المتدرج»: رفع الكلفة درجة بعد أخرى، واختبار الخطوط الحمراء الأميركية، ثم الانتقال إلى درجة أعلى ما دام الرد لا يبلغ مستوى الحرب الشاملة. لكن هذا التحول يقوم على رهان سياسي معلن في الخطاب الإيراني: الانتخابات النصفية الأميركية، وما يمكن أن تسببه كلفة الحرب واضطراب الطاقة والملاحة من ارتداد داخلي على الرئيس ترامب. وهنا تبدأ كلفة الرهان الإيراني نفسه: هل يستطيع اقتصادٌ منهك وعملةٌ محلية تحت ضغط شديد تحمّل ثمن توسيع الاشتباك إلى المياه الدولية؟ وهل تستطيع طهران تعويض ضيق البحر بتفعيل أكبر للممرات البرية عبر باكستان والعراق، بما يُبقي «اقتصاد البقاء» حيّاً؟
الهيمنة في التصعيد لا تُقاس بمن يرفع سقف النار أولاً؛ بل بمن يستطيع البقاء تحته أطول.
الخاتمة
هكذا تتواجه استراتيجيتان لا على جبهة واحدة، بل على زمن الحرب وجغرافيتها وقواعدها: واشنطن تحاول تحويل المواجهة إلى نمط احتواء يمكن إدارته لسنوات، فيما تراهن طهران على كسر حالة «لا حرب ولا سلام» عبر نقل العقيدة من الدفاع إلى الهجوم واستعادة زمام المبادرة. وبين البحر والبر، وبين الذخيرة والعملة، وبين هرمز والحدود البرية، وبين الانتخابات والزمن، لم تعد المعركة على من يطلق النار أكثر؛ بل على من يملك قدرة أطول على إدارة الكلفة وإعادة إنتاج القوة وتحمل الألم.
فالطرف الذي يغيّر قواعد اللعبة لا ينتصر لمجرد أنه غيّرها؛ ينتصر فقط إذا استطاع أن يعيش داخل القواعد الجديدة أطول من خصمه.
ومن هنا يعود السؤال إلى أبسط صيغة وأخطرها:
من يستطيع أن يغيّر قواعد اللعبة، ومن يستطيع أن يتحمل كلفة تغييرها مدةً أطول؟
