لم يعد ملف الهجوم على خط النفط السعودي شرق–غرب يقف عند السؤال الأول: من أين انطلقت المسيّرات، ومن يقف خلفها؟ ثمة انتقال أميركي مهم حدث عندما انتقلت واشنطن من مساحة الاشتباه بفصائل عراقية مسلحة إلى التسمية العلنية لفصيل محدد، وحمّل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو كتائب حزب الله العراقية مسؤولية الهجوم. هنا لا نتحدث عن «تصعيد» نفترضه، ولا عن «تهديد» نستخرجه من بين الكلمات؛ بل نصف ما وقع بالفعل: اسم عراقي محدد انتقل إلى واجهة الاتهام الأميركي، بعدما كان الملف يدور في مساحة التحقيق والاحتمالات.
وهنا تكتسب كلمة «انتقال» معناها الأثقل. فهذا انتقال من مرحلة الاشتباه بالفصائل العراقية إلى مرحلة التسمية الأميركية العلنية لفصيل محدد وتحميله مسؤولية ضربة مست مصلحة استراتيجية لحليف ترتبط واشنطن معه بالتزام دفاعي. وفي حسابات الدول، للتسمية العلنية وزن مختلف عن الاشتباه؛ لأنها تنقل الواقعة من مساحة البحث عن الفاعل إلى مساحة السؤال عمّا ستفعله الدولة بعدما أعلنت مَن تعتبره الفاعل. لكننا نقف عند هذا الحد: التسمية وقعت، أما ما سيترتب عليها فلم يقع بعد.
ويزداد وزن الكلمات بثقل لسان حالها. فالمتحدث ليس مسؤولًا أميركيًا ثانويًا، وإنما ماركو روبيو، «صاحب القبعتين»: وزير الخارجية، وفي الوقت نفسه مستشار الأمن القومي للرئيس؛ أي إن الرجل يقف عند نقطة التقاء قناتين أساسيتين في صناعة السياسة الخارجية الأميركية: الدبلوماسية والأمن القومي. وهو أحد أبرز الأصوات الجمهورية المتشددة تاريخيًا تجاه إيران، وإن كان من الضروري هنا تسجيل أن روبيو قال خلال الحرب الحالية إن واشنطن تستطيع تحقيق أهدافها في إيران من دون قوات برية أميركية؛ فلا نحمله موقفًا لم يقله لمجرد صرامة خطابه تجاه طهران.
لكن «صاحب القبعتين» لم يضع الاسم على الطاولة ثم يغادر. الأثقل أن تسمية كتائب حزب الله جاءت مقترنة بإعلان أن الولايات المتحدة ستفي بالتزاماتها تجاه السعودية. وهنا تتغير هندسة الجملة سياسيًا: لدينا فصيل عراقي سمّته واشنطن، ولدينا دولة حليفة وقع الهجوم على بنيتها النفطية، ولدينا في الجهة الثالثة الولايات المتحدة تستحضر التزامها تجاه تلك الدولة. لا نضيف ضلعًا رابعًا من عندنا، ولا نستنتج ضربة أو ردًا أو مواجهة؛ فالمثلث المعلن ثقيل بما يكفي من دون أن نرسم خارجه خطوطًا لم تظهر بعد.
أما الجغرافيا التي استُهدفت، فتمنح الكلمات معناها الاستراتيجي. لم تضرب المسيّرات منشأة نفطية هامشية، وإنما أصابت خط شرق–غرب السعودي(الپترولاين) ؛ الشريان الذي ينقل النفط من شرق المملكة إلى البحر الأحمر ويمنح الرياض منفذًا استراتيجيًا يتجاوز مضيق هرمز. ومع استمرار أزمة هرمز، عادت السعودية في 22 أيلول إلى تشغيل صادرات محدودة عبر البحر الأحمر، في مشهد يوضح لماذا لا يمكن قراءة إصابة هذا الخط باعتبارها مجرد حادثة بنية تحتية منفصلة عن جغرافيا الطاقة والحرب في المنطقة.
ومن هنا تصبح بغداد هي الجغرافيا التالية في «جامع الشرائط». فالمسألة لم تعد بالنسبة إليها محصورة في التحقيق في طائرات مسيّرة خرجت من الأراضي العراقية وضربت دولة مجاورة. لقد أضيف عنصر جديد: واشنطن نفسها وضعت اسم فصيل عراقي محدد في خانة المسؤولية، وربطت الواقعة بالتزامها تجاه السعودية. وهذا يضع أمام الدولة العراقية سؤالًا سياديًا شديد الحساسية: كيف تتعامل دولة مع اتهام رسمي صادر عن أعلى مستويات الدبلوماسية والأمن القومي الأميركي لقوة مسلحة تعمل داخل جغرافيتها بأنها استخدمت هذه الجغرافيا لضرب مصلحة استراتيجية لدولة أخرى؟
ومع ذلك، يبقى أمامنا خط فاصل لا يجوز تجاوزه. ثقل روبيو يجعل الاتهام الأميركي بالغ الأهمية سياسيًا وأمنيًا، لكنه لا يجعل الأدلة الاستخبارية التي استندت إليها واشنطن متاحة تلقائيًا للرأي العام. لذلك نستطيع أن نكتب بثقة: واشنطن حمّلت كتائب حزب الله العراقية مسؤولية الهجوم على لسان روبيو. أما القول إن مسؤولية الكتائب ثبتت بصورة مستقلة أو قضائية، فذلك يحتاج إلى مستوى آخر من الأدلة. والفارق بين العبارتين ليس احتياطًا لغويًا؛ إنه الفارق بين نقل موقف دولة وبين إصدار حكم نحن لا نملك أدلته.
ولعل هذه هي المفارقة الأعمق في المشهد كله: حين يصبح للاشتباه اسم، لا تنتهي الأسئلة؛ بل تبدأ الأسئلة الأصعب. فالاسم لا يخبرنا وحده ماذا ستفعل واشنطن، ولا ماذا ستفعل الرياض، ولا كيف ستتصرف بغداد. لكنه يغيّر طبيعة اللحظة؛ لأن السؤال لم يعد فقط: من أطلق المسيّرات؟ بل أصبح: ماذا ستفعل الأطراف بعدما أعلنت القوة الأكبر بينها مَن تعتبره مطلقها؟
وهنا نتوقف.
لا نقول إن الولايات المتحدة ستضرب. ولا نقول إن السعودية سترد. ولا نفترض أن بغداد ستصطدم بكتائب حزب الله. شيء من ذلك لم يحدث بعد. وما حدث يكفي وحده لقراءة اللحظة: ضُرب شريان استراتيجي سعودي، وانتقلت واشنطن من الاشتباه إلى التسمية، ووضع «صاحب القبعتين» اسم فصيل عراقي على الطاولة، ثم ذكّر بالتزام بلاده تجاه المملكة.
الصورة هي التي تتكلم؛ ونحن لا نسبقها. نسير معها فقط، ونقف حيث تقف المعلومة.
23 أيلول / سبتمبر 2026
الدكتور ثائر العجيلي باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي

