27 أكتوبر، 2026 - 10:31 صباحًا
ثقافة وفنون

قصة قصيرة.. الليلة التي اختفى فيها النومي الحامض من مائدة الباشا…!!.

بقلم/ د.عبد الرحيم الشويلي

في أواخر الأربعينيات، وفي إحدى الأماسي، عاد نوري باشا من بيروت وهو يحمل صندوقًا صغيرًا من النومي الحامض — ذلك الرفيق القديم لكأس العرق على مائدته المسائية.
في الحدود العراقية، كان موظف الجمارك الصغير يتفحص الأمتعة بجدٍّ يشبه الوقار. وعندما وصل إلى الباشا، فتح الصندوق، وشمَّ رائحة النومي الطازج.

قال الموظف بهدوء:

> “باشا، هذا ممنوع إدخاله… خوفًا على أشجار الحمضيات من انتقال عدوى الأمراض.”

ابتسم نوري السعيد ظانًّا أن الاحترام سيتكفّل بالباقي، وقال نصف مداعب:

> “ها، بس هذا صندوق صغير، نذوقه بالبيت، ما يطلع منه شي.”

لكن الموظف هز رأسه بإصرار:
> “التعليمات واضحة، يا باشا. النومي لازم يُدفن.”

رفع نوري حاجبيه بدهشة، ثم تمتم كمن يختبر المعنى:

> “يُدفن؟!”

قال الموظف بثقة لا تليق إلا بمن لا يعرف الخوف:

> “نعم، ندفنه تحت الأرض… حتى القانون ما يشم ريحته.”

صمت الباشا لحظة، ثم ابتسم ابتسامةً طويلة وقال:

> “عفية… هذا العراق اللي نريده.”

دفنوا الصندوق قرب الساتر الحدودي، وشهدت تلك الليلة أول جنازة رسمية للنومي في تاريخ العراق.

ومنذ ذلك اليوم، ظلّ الموظف مخلصًا للقانون، حتى اختفى هو نفسه من الخدمة… وظهر جيلٌ آخر يدفن القوانين ويزرع الفساد بماء التعليمات، والعدوى تمشي على قدمين وتقبض راتبًا آخر الشهر….!.

القاص
عبد الرحيم الشويلي
26.أكتوبر.202م.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=96838