يُعَدُّ الْمَذْهَبُ الرِّوَاقِيُّ مِنْ أَهَمِّ الْمَذَاهِبِ الْفَلْسَفِيَّةِ الَّتِي أَثَّرَتْ فِي الْفِكْرِ الْإِنْسَانِيِّ عَلَى مَدَى أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ عَامٍ، وَمَا زَالَ حَاضِرًا فِي الْفَلْسَفَةِ الْمُعَاصِرَةِ وَعِلْمِ النَّفْسِ وَبَرَامِجِ تَطْوِيرِ الذَّاتِ. وَتَقُومُ الرِّوَاقِيَّةُ عَلَى فِكْرَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُؤَدَّاهَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَ كُلَّ مَا يَحْدُثُ فِي الْحَيَاةِ، وَلَكِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَ طَرِيقَةَ اسْتِجَابَتِهِ لِمَا يَحْدُثُ، وَفِي هَذَا تَكْمُنُ حُرِّيَّتُهُ الْحَقِيقِيَّةُ.
أَوَّلًا: التَّفْسِيرُ الْمُوجَزُ
الْمَذْهَبُ الرِّوَاقِيُّ هُوَ مَذْهَبٌ فَلْسَفِيٌّ يُونَانِيٌّ أَسَّسَهُ الْفَيْلَسُوفُ زِينُونُ الْكِيتِيُّ فِي مَدِينَةِ أَثِينَا نَحْوَ عَام 300 قَبْلَ الْمِيلَادِ، وَلَيْسَ 700 قَبْلَ الْمِيلَادِ كَمَا يَرِدُ أَحْيَانًا فِي بَعْضِ الْمَصَادِرِ. وَسُمِّيَ بِالرِّوَاقِيِّ لِأَنَّ زِينُونَ كَانَ يُلْقِي دُرُوسَهُ فِي رِوَاقٍ مَشْهُورٍ يُعْرَفُ بِـ«الرِّوَاقِ الْمُلَوَّنِ» فِي أَثِينَا.
وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْمَذْهَبُ أَنَّ الْإِنْسَانَ الْحَكِيمَ هُوَ مَنْ يُخْضِعُ أَهْوَاءَهُ لِسُلْطَةِ الْعَقْلِ، وَلَا يَجْعَلُ سَعَادَتَهُ مُرْتَبِطَةً بِالْمَالِ أَوِ السُّلْطَةِ أَوِ الشُّهْرَةِ، بَلْ يَجْعَلُهَا مُرْتَبِطَةً بِالْفَضِيلَةِ وَالْحِكْمَةِ وَرِضَا الضَّمِيرِ.
ثَانِيًا: نَشْأَةُ الْمَذْهَبِ
ظَهَرَتِ الرِّوَاقِيَّةُ فِي فَتْرَةٍ اتَّسَمَتْ بِالْقَلَقِ السِّيَاسِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ بَعْدَ انْهِيَارِ الْمُدُنِ الْيُونَانِيَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ، فَكَانَ الْإِنْسَانُ يَبْحَثُ عَنْ مَنْهَجٍ يُحَقِّقُ لَهُ السَّكِينَةَ وَالِاسْتِقْرَارَ النَّفْسِيَّ. وَجَاءَتِ الرِّوَاقِيَّةُ لِتُعْلِنَ أَنَّ السَّعَادَةَ لَا تَعْتَمِدُ عَلَى ظُرُوفِ الْحَيَاةِ، بَلْ عَلَى كَيْفِيَّةِ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَالتَّعَامُلِ مَعَهَا.
ثَالِثًا: أَهَمُّ مُبَادِئِ الْمَذْهَبِ الرِّوَاقِيِّ
1- الْفَضِيلَةُ هِيَ الْخَيْرُ الْأَعْلَى
يَرَى الرِّوَاقِيُّونَ أَنَّ الْفَضِيلَةَ وَحْدَهَا هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الْإِنْسَانَ سَعِيدًا، وَتَتَجَسَّدُ فِي أَرْبَعِ فَضَائِلَ رَئِيسَةٍ:
الْحِكْمَةُ.
الْعَدَالَةُ.
الشَّجَاعَةُ.
ضَبْطُ النَّفْسِ.
أَمَّا الْمَالُ وَالْمَنْصِبُ وَالصِّحَّةُ وَالشُّهْرَةُ فَهِيَ أُمُورٌ قَدْ تَكُونُ مُفِيدَةً، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِعْيَارًا لِلسَّعَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ.
2- التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَا نَمْلِكُ وَمَا لَا نَمْلِكُ
يُعَدُّ هَذَا الْمَبْدَأُ مِنْ أَعْمَقِ أُسُسِ الرِّوَاقِيَّةِ.
فَالْإِنْسَانُ لَا يَمْلِكُ تَغْيِيرَ الْمَوْتِ، وَلَا الْمَرَضِ، وَلَا الْكَوَارِثِ، وَلَا سُلُوكَ الْآخَرِينَ، وَلَكِنَّهُ يَمْلِكُ أَفْكَارَهُ، وَقَرَارَاتِهِ، وَطَرِيقَةَ اسْتِجَابَتِهِ لِلْأَحْدَاثِ.
لِذَلِكَ يَنْصَحُ الرِّوَاقِيُّونَ بِأَلَّا يُضَيِّعَ الْإِنْسَانُ طَاقَتَهُ فِي مُقَاوَمَةِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهُ، بَلْ يُوَجِّهَهَا نَحْوَ مَا يَقْدِرُ عَلَى إِصْلَاحِهِ.
3- قَبُولُ الْقَدَرِ
لَا يَعْنِي قَبُولُ الْقَدَرِ عِنْدَ الرِّوَاقِيِّينَ الِاسْتِسْلَامَ أَوِ الْكَسَلَ، بَلْ يَعْنِي الْعَمَلَ بِكُلِّ مَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ قُدْرَةٍ، ثُمَّ تَقَبُّلَ النَّتِيجَةِ بِرُوحٍ هَادِئَةٍ دُونَ جَزَعٍ أَوْ سَخَطٍ.
فَالطَّبِيبُ يُعَالِجُ مَرِيضَهُ بِأَقْصَى مَا يَسْتَطِيعُ، فَإِنْ لَمْ يُكْتَبِ الشِّفَاءُ لَا يَجْلِدُ ذَاتَهُ عَلَى مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ.
4- ضَبْطُ الْانْفِعَالَاتِ
لَا تَدْعُو الرِّوَاقِيَّةُ إِلَى قَتْلِ الْمَشَاعِرِ، كَمَا يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ، بَلْ تَدْعُو إِلَى أَلَّا تُصْبِحَ الْعَوَاطِفُ سَيِّدَةَ الْقَرَارِ.
فَالْغَضَبُ، وَالْحَسَدُ، وَالْخَوْفُ، وَالطَّمَعُ إِذَا تُرِكَتْ دُونَ ضَبْطٍ أَفْسَدَتِ الْعَقْلَ، أَمَّا إِذَا وُجِّهَتْ بِالْحِكْمَةِ أَصْبَحَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ اتِّزَانًا.
5- الْعَيْشُ وَفْقًا لِلطَّبِيعَةِ
يَقْصِدُ الرِّوَاقِيُّونَ بِالطَّبِيعَةِ النِّظَامَ الْعَقْلَانِيَّ الَّذِي يَحْكُمُ الْكَوْنَ، وَأَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ فِي وَئَامٍ مَعَ هَذَا النِّظَامِ، مُتَحَلِّيًا بِالْبَسَاطَةِ وَالِاعْتِدَالِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ.
رَابِعًا: أَمْثِلَةٌ تَوْضِيحِيَّةٌ
الْمِثَالُ الْأَوَّلُ:
يَفْقِدُ شَخْصٌ وَظِيفَتَهُ، فَيَقْضِي أَشْهُرًا فِي اللَّوْمِ وَالْغَضَبِ وَالْحُزْنِ، بَيْنَمَا يَرَى الرِّوَاقِيُّ أَنَّ الْوَظِيفَةَ قَدْ ذَهَبَتْ، وَلَكِنَّ الْعِلْمَ وَالْخِبْرَةَ وَالْإِرَادَةَ مَا زَالَتْ بِيَدِهِ، فَيَبْدَأُ بِالْبَحْثِ عَنْ فُرْصَةٍ جَدِيدَةٍ دُونَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ.
الْمِثَالُ الثَّانِي:
يَتَعَرَّضُ إِنْسَانٌ لِلْإِسَاءَةِ، فَيُقَابِلُهَا بِالْغَضَبِ وَالِانْتِقَامِ، أَمَّا الرِّوَاقِيُّ فَيَسْأَلُ نَفْسَهُ: «هَلْ أَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَ مَا قَالَهُ الْآخَرُ؟» فَإِذَا كَانَ الْجَوَابُ لَا، انْصَرَفَ إِلَى ضَبْطِ رَدِّ فِعْلِهِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْغَضَبَ يُؤْذِيهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُؤْذِي خَصْمَهُ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ:
طَالِبٌ يَسْتَعِدُّ لِلِامْتِحَانِ، فَيُرَكِّزُ عَلَى الدِّرَاسَةِ وَالِاجْتِهَادِ، وَلَا يُشْغِلُ نَفْسَهُ بِالْقَلَقِ مِنَ النَّتِيجَةِ؛ لِأَنَّ الْجُهْدَ مِنْ مَجَالِ اخْتِيَارِهِ، أَمَّا النَّتِيجَةُ فَتَدْخُلُ فِي دَائِرَةِ الْعَوَامِلِ الْمُتَعَدِّدَةِ.
خَامِسًا: أَبْرَزُ فَلَاسِفَةِ الرِّوَاقِيَّةِ
زِينُونُ الْكِيتِيُّ: مُؤَسِّسُ الْمَذْهَبِ.
سِينِيكَا: رَجُلُ دَوْلَةٍ وَفَيْلَسُوفٌ رُومَانِيٌّ، كَتَبَ فِي الْأَخْلَاقِ وَإِدَارَةِ الْحَيَاةِ.
إِبْكْتِيتُوس: كَانَ عَبْدًا ثُمَّ أَصْبَحَ مِنْ أَعْظَمِ مُعَلِّمِي الرِّوَاقِيَّةِ، وَاشْتُهِرَ بِقَوْلِهِ: «لَيْسَتِ الْأَحْدَاثُ هِيَ الَّتِي تُزْعِجُ النَّاسَ، بَلْ أَحْكَامُهُمْ عَلَيْهَا.»
مَارْكُوسُ أُورِيلِيُوس: الْإِمْبِرَاطُورُ الرُّومَانِيُّ الْفَيْلَسُوفُ، وَصَاحِبُ كِتَابِ «التَّأَمُّلَات»، وَهُوَ مِنْ أَشْهَرِ الْكُتُبِ الرِّوَاقِيَّةِ.
سَادِسًا: الرِّوَاقِيَّةُ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ
لَمْ تَبْقَ الرِّوَاقِيَّةُ حَبِيسَةَ كُتُبِ الْفَلْسَفَةِ، بَلْ أَصْبَحَتْ أَحَدَ الْمَرَاجِعِ الْمُهِمَّةِ فِي عِلْمِ النَّفْسِ الْحَدِيثِ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْعِلَاجِ السُّلُوكِيِّ الْمَعْرِفِيِّ، الَّذِي يُعَلِّمُ الْإِنْسَانَ أَنَّ الْمُشْكِلَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا فِي الْحَدَثِ نَفْسِهِ، بَلْ فِي تَفْسِيرِنَا لَهُ.
كَذَلِكَ يَلْجَأُ كَثِيرٌ مِنَ الْقَادَةِ وَرِجَالِ الْأَعْمَالِ وَالرِّيَاضِيِّينَ إِلَى الْمَبَادِئِ الرِّوَاقِيَّةِ لِتَعْزِيزِ الصَّبْرِ وَالِانْضِبَاطِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى اتِّخَاذِ الْقَرَارِ تَحْتَ الضَّغْطِ.
خَاتِمَةٌ
لَا تَدْعُو الرِّوَاقِيَّةُ إِلَى الْبُرُودِ الْعَاطِفِيِّ، وَلَا إِلَى الِانْعِزَالِ عَنِ الْحَيَاةِ، بَلْ تَدْعُو إِلَى بِنَاءِ إِنْسَانٍ يَقُودُ عَقْلُهُ عَوَاطِفَهُ، وَلَا تَقُودُ عَوَاطِفُهُ عَقْلَهُ. وَهِيَ فَلْسَفَةٌ تَرَى أَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَنْبَعُ مِنْ تَغْيِيرِ الْعَالَمِ، بَلْ مِنْ تَهْذِيبِ النَّفْسِ وَالِانْتِصَارِ عَلَى الضَّعْفِ الدَّاخِلِيِّ. وَلِذَلِكَ بَقِيَتِ الرِّوَاقِيَّةُ عَلَى مَرِّ الْقُرُونِ إِحْدَى أَرْسَخِ الْمَدَارِسِ الْفَلْسَفِيَّةِ، وَأَقْرَبِهَا إِلَى وَاقِعِ الْإِنْسَانِ وَتَحَدِّيَاتِ حَيَاتِهِ.
بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
24.يوليو.تموز.2026م.
