لم يكن تصريح هادي العامري عن أحداث تشرين كلامًا سياسيًا عابرًا، ولم يكن توقيته عاديًا. ففي بلد ما زالت ذاكرة شارعه تختزن صور ساحات الاحتجاج ووجوه الشباب الذين خرجوا مطالبين بالإصلاح ودولة أفضل، ودماء أكثر من 800 شهيد وأكثر من 20 ألف جريح، تعيد عبارتا «فتنة تشرين» و«حماية الدولة والنظام السياسي» فتح ملف لم يُغلق أصلًا. فـتشرين ليست ملفًا من الماضي؛ إنها سؤال مؤجل عن الدولة، وكلما تأخرت الإجابة عاد الدم لطرح السؤال من جديد.
أثارت تصريحات العامري غضبًا وانتقادات، ولا سيما لدى عائلات الضحايا والناشطين، وسط حديث عن تحركات قانونية على خلفية ما اعتُبر إقرارًا بدور «المقاومة» في مواجهة أحداث تشرين. لكن القضية، بعيدًا عن الأحكام السياسية المسبقة، لا ينبغي أن تُحسم في سجال بين خصوم ومؤيدين، بل أمام القضاء والتحقيق والأدلة. فدم تشرين لا يحتاج إلى ذاكرة سياسية تنتصر له؛ يحتاج إلى قضاء يعرف من أراقه، ومن أصدر الأوامر، ومن استخدم السلاح، ومن يتحمل المسؤولية.
غير أن السؤال السياسي الأهم يتجاوز ما قاله العامري إلى توقيت قوله: لماذا الآن؟ فالعراق اليوم ليس عراق 2019. هناك حكومة تريد أن تقدم نفسها بوصفها حكومة دولة ومؤسسات، وملف شائك عنوانه حصر السلاح بيد الدولة، وشارع لم يعد ينظر إلى السلاح خارج المؤسسات بوصفه خلافًا بين الأحزاب والفصائل، بل قضية تمس أمن المواطن ومستقبل النظام السياسي نفسه. وفي هذه اللحظة تحديدًا، أعاد العامري إلى الواجهة السؤال الذي تجنبته حكومات متعاقبة: من يملك القرار الأمني والعسكري في العراق؟
المشكلة ليست في أن تحمل الدولة السلاح؛ فتلك إحدى وظائفها الأساسية، بل في أن يحمل السلاح تعريفه الخاص للدولة. فالدولة التي تحمي نفسها بأجهزتها الدستورية شيء، والدولة التي تستطيع قوة سياسية مسلحة أن تقرر نيابة عنها متى أصبح النظام مهددًا وكيف تجب حمايته شيء آخر. وأخطر ما في السلاح خارج الدولة ليس عدد البنادق، بل أن تصبح للبندقية سلطة تعريف الخطر، واختيار لحظة التدخل، وتحديد من يستحق أن تُستخدم القوة في مواجهته.
وهنا تلتقي تشرين القديمة بمعركة السلاح الجديدة. فإذا كان الحديث اليوم يدور بين «حصر السلاح» و«تنظيم السلاح» وإخضاع قرار استخدامه للقائد العام للقوات المسلحة، فإن الفارق بين هذه المصطلحات ليس لغويًا. إنه يتعلق بالسؤال الأكثر جوهرية: هل انتهى زمن امتلاك أي قوة لقرار أمني مستقل عن الدولة؟ وليس السؤال من حمل السلاح دفاعًا عن النظام بالأمس؛ السؤال هو: من أعطاه حق أن يقرر أن النظام يحتاج إلى بندقيته؟
وتزداد حساسية هذا السؤال مع اقتراب 30 أيلول، الموعد المقرر لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق. فإذا كان خروج القوات الأجنبية يُقدَّم بوصفه انتقالًا إلى مرحلة جديدة من السيادة، فإن السيادة لا تستطيع أن تبدأ عند آخر جندي أجنبي وتتعطل عند أول بندقية عراقية خارج القرار العراقي. خروج القوات الأجنبية يحرر الجغرافيا من وجود عسكري؛ أما احتكار الدولة للسلاح فيحرر القرار من تعدد أصحابه.
ولهذا فإن الأول من تشرين الأول سيكون، بمعنى ما، أهم من الثلاثين من أيلول. فالامتحان الحقيقي لن يكون فيمن غادر العراق، بل فيمن يملك القرار بعد مغادرته: من يقرر الحرب والسلم؟ من يأمر باستخدام القوة؟ ومن يحاسب من يستخدمها؟ فإذا تعددت الإجابات، بقيت السيادة ناقصة مهما اكتمل الانسحاب. وإذا أصبحت الإجابة واحدة ــ الدولة ومؤسساتها الدستورية ــ يكون العراق قد انتقل فعلًا من إنهاء وجود عسكري أجنبي إلى بناء سيادة داخلية مكتملة.
أما تشرين، فقد يختلف العراقيون في تفسير أسبابها ومآلاتها، لكن ثمة حقيقة لا تستطيع التسميات السياسية محوها: عراقيون قُتلوا وعشرات الآلاف جُرحوا، وعائلات ما زالت تنتظر الحقيقة. هؤلاء لا يحتاجون إلى إعادة تعريف أبنائهم داخل قاموس «الفتنة» أو «المؤامرة»، مثلما لا يحتاجون إلى أحكام سياسية مضادة تسبق القضاء. إنهم يحتاجون إلى إجابات: من قتل؟ من أمر؟ من تجاوز القانون؟ ومن يستطيع القضاء العراقي أن يحاسبه؟
تشرين لم تعد تسأل مَن أطلق النار فقط؛ إنها تسأل اليوم مَن كان يملك حق إصدار الأمر، ومَن سيملكه غدًا.
لهذا يصبح تصريح العامري أكبر من توصيف لحادثة مضت. فإذا كان المقصود القول إن الفصائل حمت الدولة عندما اعتبرت نظامها السياسي مهددًا، فقد أعاد التصريح من حيث لا يريد طرح السؤال الذي تحاول الدولة حسمه اليوم: هل تستطيع أي قوة مسلحة، مهما كان تاريخها أو تضحياتها أو عنوانها، الاحتفاظ بحق مستقل في تعريف الخطر واختيار لحظة استخدام السلاح؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن مشكلة الدولة لم تُحل. وإذا كانت الإجابة لا، فإن ما بعد 30 أيلول ينبغي أن يكون مختلفًا عما قبله.
الدولة القوية لا تحمي النظام السياسي من الشعب، بل تحمي الشعب والنظام والقانون معًا. ولا تخاف من المواطن عندما يتظاهر، ولا تحتاج إلى بندقية خارج مؤسساتها لكي تثبت هيبتها. فالنظام السياسي لا يصبح قويًا عندما يخاف منه المواطن، بل عندما يثق به؛ والدولة لا تصبح قوية بكثرة البنادق، بل عندما يصبح القانون أقوى من البندقية.
ولذلك، فإن الرسالة التي يحتاج العراقيون إلى سماعها اليوم ليست أن الفصائل «حمت الدولة» من تشرين، ولا أن تشرين كانت «فتنة»، بل أن عراقيًا لن يُقتل لأنه طالب بحقه، وأن سلاحًا لن يكون فوق القانون، وأن قرار الحرب والأمن لن يكون خارج الدولة. عندها فقط يمكن للحديث عن اكتمال السيادة أن يتجاوز حدود الشعارات إلى حقيقة يشعر بها المواطن في حياته ودولته.
في 30 أيلول قد يغادر آخر جندي من مهمة التحالف، لكن السيادة لن تدخل العراق في اليوم التالي إلا إذا غادر معه آخر حق في استخدام السلاح خارج قرار الدولة.
وعندها فقط يمكن أن نجيب عن السؤال الذي فتحه تصريح العامري من باب تشرين: هل دخل العراق مرحلة الدولة الواحدة، بقرار واحد وسلاح واحد وقانون واحد، أم أنه اكتفى بتغيير شكل تعدد القوة من دون أن يغيّر جوهرها؟
ذلك هو امتحان الأول من تشرين.
