تحليل فلسفة مفهوم الدولة في فكر منظومة «ولاية الفقيه»
مقدمة:
تحتضن فلسفة الحكم في فكر «ولاية الفقيه” للجمهورية الإسلامية الإيرانية أبعادًا بنيوية تجمع بين النص الإلهي والواقعية السياسية المعاصرة. وتأتي المقولة المنسوبة المرشد السابق علي الخامنئي، والتي يُعبر عنها بـ «الدولة أولاً وما دون الدولة لا شيء»، لتُمثل ركيزةً جوهرية في التحليل الاستراتيجي والفلسفي لمفهوم الدولة ضمن هذه المنظومة.
1. التأصيل الفلسفي لمفهوم الدولة: الانتقال من “الفوضى” إلى “المشروع الإلهي”
تنطلق فلسفة ولاية الفقيه من رؤية غائية (Teleological) ترى في الدولة الأداة التنفيذية الإلزامية لتحقيق القيم الإلهية وإقامة العدل، وليست مجرد جهاز إداري لتنظيم معاش الناس.
◾️ أولوية الكيان: في الفكر الفلسفي الإسلامي المعاصر، يُنظر إلى “الدولة” باعتبارها الحصن الذي يمنع الفوضى ويوفر الاستقرار اللامشروط. عبارة “وما دون الدولة لا شيء” تعني فلسفياً أن غياب الدولة مرادف لـ “العدم السياسي والاجتماعي”، حيث تفقد المؤسسات الفرعية، والأحزاب، وحتى الحركات الثورية، شرعيتها وقدرتها على التأثير إذا غاب الكيان المركزي الحاضن.
◾️ الولاية والسيادة: يدمج الفكر السياسي المرشد علي الخامنئي بين مفهوم السيرورة الإلهية والسيادة الوطنية؛ حيث تُعد الدولة هي المظهر المادي لـ “السيادة الحقّة”. بالتالي، فإن الحفاظ على بيضة الإسلام واستقرار الدولة يتقدم رتبةً على أي عناوين ثانوية أو فئوية.
2. البُعد الاستراتيجي: “حفظ النظام من أوجب الواجبات”
تمتد هذه المقولة استراتيجياً من القاعدة الفقهية والفلسفية الشهيرة التي رسخها الخميني وتلميذه الخامنئي، ومفادها أن “حفظ النظام الإسلامي والدولة هو أوجب الواجبات”.
◾️ تأطير العمل الثوري واللا-دولتي: تُحدث هذه الفلسفة تحولاً نوعياً في عقلية الحركات المقاومة أو الثورية. فرغم دعم إيران لحركات “محور المقاومة” العابرة للحدود، إلا أن العقيدة الحاكمة داخل طهران تعتبر أن استقرار وبقاء “الدولة المركزية” هو الشرط الأساسي والحيوي لاستمرار أي مشروع حليَف. “فما دون الدولة” — من حركات أو تيارات — يظل قاصراً وعاجزاً عن حماية نفسه ما لم يستند إلى عمق استراتيجي تُشكله دولة قوية ومستقرة.
◾️ البراغماتية والمصلحة العليا (مصلحة النظام): تتيح فلسفة “الدولة أولاً” مرونة استراتيجية فائقة؛ حيث يمكن للدولة أن تتخذ قرارات براغماتية في السياسة الخارجية أو الداخلية بناءً على ملاكات المصلحة العليا وحفظ كيان الدولة، متجاوزةً الشعارات العاطفية أو الآراء المجتزأة للتيارات السياسية داخلها.
3. بنية المنظومة: التلازم بين الثورة والدولة
تحاول منظومة ولاية الفقيه باستمرار حل الإشكالية التاريخية بين “الثورة” كحالة سيالة متمردة، وبين “الدولة” ككيان مؤسسي مستقر.
◾️ مأسسة الثورة: يرى الخامنئي أن الثورة لا تلغي الدولة، بل تذوب في أركانها لتتحول إلى “دولة ثورية”. ومقولة “الدولة أولاً” تحسم النقاش لصالح المؤسساتية القانونية والقانون ضد العشوائية. فلا يُسمح لأي جماعة، مهما بلغت درجة تضحيتها أو ولائها، أن تعمل خارج إطار الدولة أو تفرض منطقها الخاص (اللا-دولة) على القرار السيادي.
◾️ الشرعية والمركزية: تثبت الفلسفة الإيرانية أن القوة دون غطاء الدولة تُصنف فوضى وإرهاباً في العلاقات الدولية؛ لذا سعت المنظومة دائماً إلى إعطاء الأولوية لبناء مؤسسات دستورية متكاملة (رئاسة، برلمان، قضاء) تعمل تحت إشراف “الولي الفقيه” لتوجيه دفة المقاومة والبناء بشكل قانوني ومنظم.
4. السياسة الخارجية الإيرانية تجاه محور المقاومة: جدلية المركز والأطراف
تتجلّى فلسفة “الدولة أولاً” في هندسة السياسة الخارجية الإيرانية تجاه محور المقاومة من خلال صياغة علاقة تراتبية تعتبر طهران “المركز الجيوسياسي والعقائدي” بينما تمثل الساحات الأخرى الأطراف الاستراتيجية. بناءً على هذا المنطق الفلسفي، لا يُنظر إلى حركات المقاومة العابرة للحدود كبديل عن الدولة، بل كخطوط دفاع متقدمة لحماية “الدولة الأم”.
◾️ نظرية أم القرى: تستند هذه الرؤية إلى نظرية “أم القرى” السياسية، والتي تفترض أن الجمهورية الإسلامية هي عاصمة العالم الإسلامي ونواته الصلبة، وبالتالي فإن بقاء هذه النواة واستقرارها يتقدم فلسفياً وعملياً على مصير أي حركة أو تنظيم خارج حدودها.
◾️ براغماتية البقاء: من هنا، تصبح التضحية بالأطراف أو إدخالها في تسويات سياسية أمراً مشروعاً استراتيجياً إذا كان البديل هو تهديد وجود الدولة المركزية؛ فالأطراف دون مركز قوي ومستقر تفقد مبرر وجودها وقدرتها على البقاء، مما يجسد حرفياً مقولة “وما دون الدولة لا شيء”.
5. الأبعاد الفقهية: مفهوم “مصلحة النظام” كأولوية شرعية مطلقة.
ينبثق التأصيل الفقهي لمقولة “الدولة أولاً” من التحول الجوهري في فقه السياسة الشيعي عبر تأسيس مفهوم “مصلحة النظام” وإعطائها أبعاداً فوق دستورية وفوق فقهية تقليدية، وهو ما يُعرف بالفقه الحكومي أو “الأحكام الحكومية”.
◾️ الحكم الإلهي الأولي: وفقاً لهذا المنظور الفقهي العميق، لا تُعتبر الدولة مجرد أداة لتطبيق الأحكام الشرعية الفرعية (كالصلاة والصوم والحج)، بل إن الحفاظ على الدولة والنظام الإسلامي هو حكم إلهي أولي يتقدم على جميع الأحكام الأخرى.
◾️ صلاحيات الولي الفقيه: في فكر الخامنئي، يمتلك الولي الفقيه الصلاحية الفقهية لتعطيل بعض الأحكام الشرعية المؤقتة أو اتخاذ قرارات تتقاطع مع العناوين التقليدية إذا اقتضت مصلحة الدولة ذلك. هذا التأصيل الفقهي يرفع كيان الدولة إلى مرتبة القداسة السياسية، ويجعل من إضعاف الدولة أو التمرد على مؤسساتها تحت أي شعار نضالي أو ديني خروجاً عن مقاصد الشريعة نفسها، حيث يُصبح وجود الدولة هو الشرط الأساسي لإمكانية تدين المجتمع واستمرار الدين.
خلاصة واستنتاج:
إن مقولة «الدولة أولاً وما دون الدولة لا شيء» تختزل الوعي الاستراتيجي لمنظومة ولاية الفقيه في مرحلة استقرارها. إنها صريح بأن الأيديولوجيا بحاجة إلى “جغرافية وسيادة ومؤسسات” لكي تعيش وتحمي منجزاتها، وأن أي محاولة لإضعاف مفهوم الدولة لصالح كيانات موازية أو فئوية هي تهديد وجودي للمشروع برمته. فالدولة في هذا الفكر هي المطلق السياسي الذي يمنح الشرعية والأمان والامتداد لما دونه .
الدكتور ثائر العجيلي
باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي
