أفريقيا وليمة الموارد وثقب المال الأسود نحو فجر السيادة الاقتصادية..تجلس دولها على عرش الموارد الطبيعية في العالم، فمن باطن أرضها تتدفق النفط والغاز والمعادن الحيوية كالليثيوم والكوبالت والذهب، وعليها تمتد مساحات زراعية شاسعة قادرة على إطعام الملايين
ومع ذلك، تظل القارة السمراء رهينة مفارقة تاريخية مؤلمة؛ فهي تمتلك مقومات الغنى وتكابد مخالب الفقر. والسبب لا يعود إلى شح الموارد أو عجز شعوبها، بل إلى نظام عالمي مجحف وشبكة من التدفقات المالية غير المشروعة التي تجعل القارة ممولاً رئيسياً للاقتصادات المتقدمة عبر نزيف سنوي يتجاوز مائتي مليار دولار.
إن النظرة التقليدية لأفريقيا باعتبارها مريضاً ينتظر المساعدات الإنسانية هي نظرة مضللة ومقصودة لصرف الأنظار عن الجريمة الاقتصادية المستمرة. فمقابل تراجع المساعدات الخارجية لتستقر عند نحو ثلاثين مليار دولار سنوياً، تخرج من القارة أضعاف هذا الرقم بأضعاف مضاعفة نتيجة آليات استنزاف ممنهجة تتلخص فيما يلي
– التلاعب التجاري وتسعير التحويل..حيث تفقد أفريقيا سنوياً ما يقرب من تسعين مليار دولار بسبب التلاعب في فواتير التجارة وممارسات الشركات العابرة للحدود التي تحول أرباحها هرباً من الضرائب المحلية.
– مقصلة الديون التي تُجبر الدول الأفريقية على تخصيص نحو ثمانين مليار دولار كل عام لخدمة الديون، وهو ما يحول ميزانيات الدول من قطاعات الصحة والتعليم إلى خدمة الدائنين الدوليين.
– ضرائب الوهم والمخاطر التي تتبخر من خلالها أربعون مليار دولار أخرى تحت بند “علاوات المخاطر”؛ وهي تسعيرات مبالغ فيها تفرضها وكالات التصنيف الائتماني العالمية، مما يرفع تكلفة الاقتراض الأفريقي بشكل غير مبرر.
إن الاعتماد على خرافة المساعدات الخارجية لم يكن يوماً طوق نجاة، بل كان غالباً أداة لتكريس التبعية السياسية والاقتصادية وتقويض الإنتاج المحلي
إن أفريقيا اليوم لا بحاجة إلى صدقات أو إغاثات مؤقتة، بل تحتاج إلى استعادة سيادتها الكاملة على ثرواتها. وهذا يتطلب إرادة سياسية صلبة لتأسيس كتلة اقتصادية موحدة، وتفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية لرفع حجم التجارة البينية التي لا تزال دون الطموحات
إن نهوض أفريقيا الحقيقي يبدأ عندما تتوقف عن تصدير موادها الأولية بثمن بخس وإعادة استيرادها سلعاً مصنعة باهظة الثمن. إن إصلاح المنظومة الضريبية الدولية، والشفافية المطلقة في عقود استخراج الثروات، وخلق أسواق مالية إقليمية مستقلة هي وحدها الكفيلة بتحويل الموارد من جيوب المستفيدين الخارجيين إلى شعوب القارة.
حين تدرك أفريقيا أن قوتها تكمن في اتحادها وتكاملها، سيتغير وجه الاقتصاد العالمي، ولن يعود ثقب المال الأسود قادراً على ابتلاع مستقبل أجيال كاملة.
إن التحدي والعائق الأكبر أمام تحقيق هذا التكامل الاقتصادي المنشود في أفريقيا ينحصر في:
التدخلات الخارجية من ناحية و غياب الإرادة السياسية الداخلية من ناحية اخري وكلاهما يرسخ لمفاهيم الفساد والبيروقراطية الادارية اللتان يهددان الاستثمار فد دول القارة..
