11 أغسطس، 2026 - 1:17 مساءً
مقالات وآراء

المعارضة العراقية.. ما لها وما عليها.. بقلم: أكرم سلمان

المعارضة في أي دولة هي حالة صحية وضرورة وطنية، وظيفتها تقويم مسار الدولة وتغيير القوانين والأنظمة التي لم تعد تخدم الشعب.
وهذه المعارضة تمارس عملها في شكلين لا ثالث لهما: إما أن تكون معارضة داخلية منظمة في أحزاب ومجموعات تعمل تحت سقف القانون إذا كان النظام يعترف بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وإما أن تكون معارضة خارجية إذا كان النظام سلطوياً لا يسمح بالعمل الداخلي كما هو الحال الآن في العراق . عندها يكون لزاماً عليها أن تترك الداخل وتبحث عن ملاذ آمن، ويفضل أن يكون قريباً من الوطن، خاصة إذا وجدت دعماً من دول الجوار. في هذه الحالة يحق لها أن ترفع سقف مطالبها، وأن تشكل نواة للدولة القادمة، بمكاتب سياسية وإعلامية، وحتى عسكرية إذا توفرت لها حاضنة حقيقية.
نحن في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 لم نحظَ بأي من النموذجين.

أولاً: معارضة الداخل.. معارضة في السلطة

ظهرت في الداخل مجموعات تحت مسميات دينية وسياسية وعسكرية كثيرة، لكنها لم تكن معارضة بالمعنى الحقيقي. فهي شاركت في العملية السياسية، وتقاسمت الوزارات والمناصب والعقود، ثم ادعت أنها معارضة.
إنها معارضة المكاسب لا معارضة المبادئ. لا يمكن لمن يستفيد من نظام المحاصصة أن يغيره، ولا يمكن لمن يمتلك فصيلاً مسلحاً وشركة اقتصادية تابعة لحزبه أن يحارب الفساد. لذلك عجزت هذه القوى عن تغيير واقع الحال، بل أصبحت جزءاً أصيلاً منه.

ثانياً: معارضة الخارج.. اليتيمة

أما المعارضة التي تشكلت في الخارج بعد 2003، فقد ولدت يتيمة، بلا حاضنة إقليمية أو دولية. المعارضة العراقية قبل 2003 كانت تحتضنها لندن وطهران ودمشق وواشنطن، لأن إسقاط النظام السابق كان مصلحة دولية. أما اليوم، فلا مصلحة لأي دولة في احتضان معارضة وطنية عراقية مستقلة.
دول الجوار تتعامل مع بعض الشخصيات كأوراق ضغط مؤقتة، والمجتمع الدولي لا يعترف بهذه المجموعات لأنه استثمر مليارات الدولارات في نظام ما بعد 2003، والاعتراف بفشله يعني الاعتراف بفشل مشروعه.
ومع مرور الوقت، انشطرت هذه المعارضة الخارجية إلى كانتونات وشخصيات متصارعة، لا يجمعها برنامج ولا قيادة. لم يبق لها سوى أصوات قليلة تظهر على الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، تندد وتستنكر دون أي تأثير حقيقي على الساحة الداخلية، ودون أن يثق بها المواطن في الداخل الذي لدغ من تجربة معارضة الخارج السابقة.

النتيجة: دولة في الحضيض

في ظل غياب معارضة حقيقية، داخلية كانت أم خارجية، وصل حال العراق إلى ما نراه اليوم. فساد إداري ومالي غير مسبوق، تدهور كامل لمؤسسات الدولة من تعليم وصحة وكهرباء، وهجرة للكفاءات، حتى أصبح العراق في ذيل التصنيفات العالمية في الشفافية والخدمات ومستوى المعيشة، رغم أنه من أغنى دول العالم ثروة.
لقد تحولت الدولة إلى غنيمة تتقاسمها الأحزاب، وتحول الشعب إلى متفرج.

الخاتمة: كم نحتاج من الوقت؟

لا أحد يعلم كم من الوقت نحتاج لعبور هذه الأزمة والانتقال إلى مرحلة جديدة يأخذ فيها العراق دوره الحقيقي في المجتمع الدولي. لكن المؤكد أن العبور لن يحدث بانتظار المنقذ الخارجي، ولن يحدث بتدوير نفس الوجوه.
العراق يحتاج إلى ولادة معارضة من نوع ثالث: لا معارضة سلطة، ولا معارضة فنادق، بل معارضة مجتمعية وطنية تنطلق من الداخل، بخطاب عابر للطائفية والقومية، ببرنامج اقتصادي وخدمي واضح، بقيادة جديدة لم تتلوث بالمال السياسي، هدفها ليس إسقاط أشخاص، بل إسقاط منظومة الفشل وبناء عقد اجتماعي جديد.
حينها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا طريق الخروج من الحضيض.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=94398