15 سبتمبر، 2026 - 1:36 مساءً
سليدرمقالات وآراء

عندما تتفاوض الدولة العظمى مع الميليشيا.. مفارقة الدبلوماسية الأمريكية وأزمة مفهوم الدولة

ضياء الصفار

safar

في السياسة الدولية، لا تكمن المفارقات الكبرى دائماً في ما تقوله الدول، وإنما في الفارق بين ما تقوله وما تفعله.
ولعل واحدة من أكثر المفارقات إثارة للتساؤل اليوم أن الولايات المتحدة، وهي الدولة التي تقدم نفسها بوصفها إحدى أهم حماة النظام الدولي القائم على سيادة الدول والقانون والمؤسسات، أصبحت تتعامل بصورة مباشرة مع قوى مسلحة من خارج مؤسسات الدولة، بل وتدخل معها في اتصالات تتصل بالحرب والسلم والملاحة والأمن الإقليمي.

فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الحوثيين تواصلوا مع الإدارة الأمريكية وأبدوا رغبتهم في ألا تتدخل واشنطن في الصراع مع السعودية، كما أكدت التطورات الأخيرة استمرار الاتصالات والتعامل الأمريكي مع هذا الواقع الجديد، في الوقت الذي تصر فيه واشنطن رسمياً على تصنيف الحوثيين تنظيماً إرهابياً أجنبياً منذ إعادة إدراجهم في قائمة التنظيمات الإرهابية في يناير 2025.
أن الأعلان عن هذه السلوك الغريب في التعامل مع الحركات الأرهابية والميليشيات المسلحة يثير تساؤلاً هو
كيف يمكن لدولة عظمى أن تعتبر جماعة ما تنظيماً إرهابياً، ثم تتعامل معها في الوقت نفسه باعتبارها طرفاً يمكن التواصل معه والتفاهم حول قضايا الحرب والأمن والملاحة؟
قد يكون الجواب من منظور ما يسمى بالواقعية السياسية بسيطاً والذي يقول أن الدول تتعامل مع موازين القوى والوقائع على الأرض، وليس فقط مع الاعتراف القانوني.
ولكن هذا الجواب، وإن كان يفسر السلوك الأمريكي، لا يلغي المشكلة؛ بل ربما يجعلها أكثر خطورة .
الدبلوماسية التقليدية تقوم على قاعدة واضحة هي أن الدولة تتعامل مع الدولة، أو مع الأطراف السياسية التي تكتسب صفة تفاوضية في ظروف استثنائية.
أما عندما تصبح جماعة مسلحة خارج مؤسسات الدولة طرفاً تتصل به دولة عظمى مباشرة للتفاهم حول الحرب أو الملاحة أو الأمن، فإن الأمر يتجاوز مجرد الاتصال التكتيكي.
إنه يمنح الجماعة، ولو بصورة غير مباشرة، وزناً سياسياً مستمداً من قوتها المسلحة ، مما يؤدي إلى التمسك بمواقفها وبسقف أعلى ، فضلاً عن تشجيع قوى أخرى في مناطق أخرى من العالم لتصبح ظاهرة تتسيد الموقف الدولي لتهديدها لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة .
لأن الرسالة التي يمكن أن تصل إلى شعوب المنطقة وقواها السياسية هي (امتلك السلاح بما يكفي، وسوف تصبح رقماً في المعادلة الدولية) . وهذه رسالة شديدة الخطورة في منطقة تعاني أصلاً من تآكل مفهوم الدولة، وتعدد مراكز القوة، وانتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
المفارقة تصبح أكثر وضوحاً عندما نتذكر أن الولايات المتحدة نفسها طالما طالبت دول المنطقة بحصر السلاح بيد الدولة، وبأن يكون قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الرسمية ، وهذا المبدأ صحيح في ذاته.لكن المشكلة تبدأ عندما لا تطبق القوة الكبرى المبدأ نفسه بصورة متسقة. فإذا كان السلاح خارج الدولة مشكلة عندما يتعلق الأمر بجماعة لا تتفق واشنطن معها، ثم يصبح صاحب هذا السلاح طرفاً يمكن التفاوض معه عندما تقتضي المصالح الأمريكية ذلك، فإن معيار الدولة يفقد شيئاً من وضوحه ومصداقيته.
وهنا يُثار السؤال ،هل الاتصال بالميليشيا جائز أم غير جائز؟وهل الاتصال بها يتحول إلى اعتراف عملي بدورها السياسي؟ فقد تلجأ بعض الدول إلى الاتصال السري أو المباشر لضرورة أمنية لتجنب التصعيد، وهذا أمر عرفته العلاقات الدولية في أزمات وحروب عديدة ، لكن تحويل القوة المسلحة غير الحكومية إلى طرف سياسي دائم في المعادلة شيء آخر تماماً .
ولعل العراق يقدم المثال الأكثر إثارة لهذه المفارقة.

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، واجهت القوات الأمريكية مقاومة عراقية وطنية الاتجاهات والانتماءات. وقد صنفت واشنطن الكثير من القوى التي قاتلت الاحتلال ضمن إطار “التمرد” أو “الإرهاب”، فيما كانت الصورة على الأرض أكثر تعقيداً من ذلك؛ إذ كانت هناك قوى وطنية وقومية وإسلامية متعددة.
وقد وصف قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال جون أبي زيد، في يوليو 2003، ما كان يجري بأنه حرب عصابات كلاسيكية، وأشار إلى دور نشطاء بعثيين متوسطَي المستوى في تنظيمها.
وهنا ينبغي أن نطرح السؤال التاريخي الذي لم يحصل على ما يكفي من النقاش:
هل كان من الصواب وضع المقاومة العراقية للاحتلال في سلة واحدة مع التنظيمات الإرهابية؟
إن رفض الاحتلال الأجنبي أو مقاومته لا يعني تلقائياً تبرير كل وسيلة تستخدمها المقاومة، كما أن وجود أعمال إرهابية لا يعني تلقائياً أن كل من حمل السلاح ضد الاحتلال كان إرهابياً. وهذا تمييز ضروري إذا أردنا كتابة التاريخ بعيداً عن الدعاية.
المفارقة الأشد إيلاماً هي أن الولايات المتحدة التي تعاملت مع قطاعات واسعة من المقاومة العراقية بعد 2003 باعتبارها عدواً وإرهاباً، أصبحت بعد سنوات تتعامل مع جماعات مسلحة أخرى في المنطقة باعتبارها أطرافاً ينبغي التواصل معها عندما تفرض الوقائع ذلك.
لكن السؤال يبقى قائماً وهو .. إذا كانت القوة المسلحة وحدها لا تمنح الشرعية، فلماذا تصبح الجماعة المسلحة أحياناً طرفاً تفاوضياً عندما تحتاج إليها دولة كبرى؟
وإذا كانت القوة المسلحة تمنح صاحبها حق التفاوض، فلماذا يُحرم الآخر من هذا الحق لمجرد اختلاف المصالح السياسية معه؟
هنا تظهر مشكلة ازدواجية المعايير بين الواقعية السياسية وبين إضعاف الدولة؟
قد يقول قائل إن السياسة لا تعرف المثاليات، وإن الولايات المتحدة تتعامل مع من يملك القدرة على التأثير في الأحداث وهذا صحيح ، فالولايات المتحدة لا تستطيع تجاهل الحوثيين إذا كانوا قادرين على التأثير في باب المندب والملاحة الدولية، كما لا تستطيع تجاهل حزب الله إذا كان يمتلك قدرة عسكرية وسياسية مؤثرة في لبنان.
لكن الواقعية السياسية التي تتجاهل بناء الدولة قد تتحول إلى عامل من عوامل هدمها ،فالدولة التي لا تستطيع احتكار القوة المشروعة تصبح ضعيفة ،والجماعة المسلحة التي تستطيع تجاوز الدولة والوصول مباشرة إلى القوى الكبرى تصبح أقوى….وبذلك تنشأ معادلة خطيرة:
كلما ضعفت الدولة، ازدادت قيمة الميليشيا. وكلما ازدادت قيمة الميليشيا، ازدادت قابلية الدولة للتآكل.
وهذه ليست مشكلة يمنية أو لبنانية أو عراقية فقط ،إنها مشكلة النظام الإقليمي بأكمله.

وهنا تتضح خطورة الأمر بالنسبة للعراق بصورة خاصة.
فالعراق اليوم يواجه سؤالاً مركزياً حول الدولة والسلاح والسيادة. وفي الوقت الذي تطالب فيه واشنطن بغداد بحصر السلاح بيد الدولة، ما زالت جماعات مسلحة عراقية تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً واسعاً، وبعضها مدرج بالفعل على قوائم الإرهاب الأمريكية. وقد شددت واشنطن في السنوات الأخيرة إجراءاتها ضد عدد من الفصائل العراقية المدعومة من إيران.
لكن المشكلة ليست فقط في موقف واشنطن من هذه الفصائل.المشكلة الأعمق هي أن العراق نفسه أصبح ساحة لتفاعل قوى خارجية مع قوى مسلحة داخلها.
وهذا يعني أن العراق لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء مؤسساته، وإنما يحتاج أيضاً إلى إعادة تثبيت القاعدة الأساسية للعلاقات الدولية التي تقول ..الحكومة الشرعية هي العنوان، والسلاح لا يصنع دولة.

المفارقة أن الولايات المتحدة قد تكسب في بعض الحالات مكسباً تكتيكياً من التفاوض المباشر مع جماعة مسلحة، لكنها قد تخسر شيئاً من قوتها الاستراتيجية إذا بدا أن قواعدها تتغير بحسب المصلحة.فالقوة الدولية ليست قوة عسكرية فقط وأنما هي (قوة المصداقية، قوة النموذج، قوة القانون ، قوة التحالفات ، قوة القدرة على إقناع الآخرين بأن النظام الذي تدافع عنه يستحق ذلك ) .وعندما ترى الشعوب أن القوة العظمى تتحدث مع الدولة حيناً، ومع الميليشيا حيناً آخر، فإن السؤال عن المعيار يصبح مشروعاً.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المنطقة العربية ليس فقط أن تمتلك جماعة مسلحة السلاح، وإنما أن تصل إلى قناعة بأن السلاح هو الطريق الأقصر إلى الشرعية الدولية ، فالرسالة التي ينبغي أن تصل إلى شعوب المنطقة يجب أن تكون معاكسة تماماً وهي …القوة لا تمنح الشرعية، والسلاح لا يصنع دولة، والميليشيا لا ينبغي أن تكون بديلاً عن المؤسسات الوطنية.
أما إذا أصبحت الدولة العظمى نفسها مضطرة إلى مخاطبة الميليشيات باعتبارها أصحاب القرار الفعلي، فذلك يعني أن أزمة الدولة لم تعد مشكلة داخلية في الدول العربية وحدها، وإنما بدأت تتحول إلى جزء من آلية النظام الدولي نفسه …وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
قد تنجح الولايات المتحدة في التفاهم مع الميليشيا لتجنب حرب اليوم، لكنها قد تساهم، من حيث لا تريد، في صناعة عالم تصبح فيه الدولة أضعف، والميليشيا أقوى، والسلاح هو اللغة الأسرع للوصول إلى طاولة المفاوضات.
وهذا، في النهاية، لا يضعف الدولة العربية وحدها؛ بل يضعف الفكرة التي قامت عليها الدبلوماسية الدولية الحديثة نفسها.

14 / أيلول / 2026

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=95668