قامت موخراً بعض الدول الاوربية بنقل جزء من احتياطياتها من الذهب من الولايات المتحدة الأمريكية إلى أماكن تخزين جديدة ، وبشكل خاص إلى لندن .ومن ابرز هذه الدول هولندا وفرنسا .
ففي حالة هولندا ، قام البنك المركزي الهولندي في عام (٢٠٢٦) بنقل نحو (٨٦) طناً من الذهب من نيويورك وأوتاوا إلى لندن . ولم يصرح البنك بأنه فقد الثقة بالولايات المتحدة الأمريكية، بل برر هذه الخطوة بالاستعداد للازمات ، وزيادة إمكانية الوصول إلى الذهب ، وتنويع مواقع تخزينه .
كما قامت هولندا ببيع نحو (٥٠) طناً في نيويورك واعادة شراء كمية مماثلة في لندن ، مما يعني ان جزءاً من العملية لم يكن نقلاً مادياً للذهب ،وانما اعادة ترتيب لمواقع الحفظ والتداول .
اما فرنسا فقد قامت بإخراج ما تبقى من ذهبها الموجود في نيويورك ، في اطار اعادة تنظيم نوعية السبائك ومواقع حفظ الذهب داخل اوربا .
وبذلك فان موقف البلدين من هذه العملية يمكن تفسيره في الاساس ، بأنه اعادة تنظيم لمواقع الحفظ والتخزين ، والتحسب للازمات والطواريء المحتملة ، وليس موقفاً سياسياً موجهاً ضد الولايات المتحدة الامريكية، ومن المهم التأكد هنا على ان اخراج جزء من الذهب من الولايات المتحدة الأمريكية لا يعني بالضرورة التهرب من الدولار او التخلي عنه .
ولاسيما ان ما حدث يمثل انتقالاً داخل المنظومة المالية الغربية وليس خروجاً منها .
ان عدم رغبة البنوك المركزية في تركيز جميع اصولها الاستراتيجية في دولة واحدة او مركز مالي واحد يمثل احد اهم العوامل التي تفسر هذه الاجراءات ، فتنويع مواقع الاحتفاظ بالأصول يعد نوعاً من ادارة المخاطر والتأمين في حالة حدوث أزمات سياسية او مالية او عقوبات او اضطراب في النظام المالي الدولي .
وهنا تبرز اهمية التمييز بين الذهب والدولار ، فالأصول الدولارية ، ولاسيما السندات والأدوات المالية ، ترتبط بالنظام المالي والائتماني للجهة المصدرة وبالبنية المالية التي تحتفظ بها ، اما الذهب فهو اصل مادي لايمثل التزاماً مالياً على دولة اخرى ، ولذلك يحتفظ بأهمية خاصة كأداة للتحوط من المخاطر المالية والجيوسياسية ، وكأصل احتياطي يمكن الاعتماد عليه في أوقات الأزمات .
وقد شكلت الاجراءات التي اتخذت تجاه الاحتياطيات الروسية بعد عام (٢٠٢٢) درساً مهماً للبنوك المركزية ، فقد تم تجميد مئات المليارات من الدولارات من احتياطيات البنك المركزي الروسي ، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى اعادة التفكير في مفهوم أمن الاحتياطيات والسيادة عليها ، وفي السوال
الآتي : (( هل يكون الاحتياطي الموجود خارج حدود الدولة آمناً لمجرد وجوده في مركز مالي قوي وموثوق ، أم ان امتلاك جزء من الاحتياطي تحت سيطرة مادية وقانونية مباشرة يوفر حماية اكبر في أوقات الأزمات ؟ ))
ومن هنا بدأت تتبلور لدى عدد متزايد من البنوك المركزية فكرة. بناء احتياطي متعدد الركائز، بحيث لا يعتمد بصورة مفرطة على عملة واحدة او دولة واحدة او مركز مالي واحد
وعلى هذا الاساس ، يمكن القول اننا امام تحول جيوسياسي مالي تدريجي ، وليس امام ثورة مالية مفاجئة، فهذا التحول لايعني الانتقال من الدولار إلى الذهب ، وانما الاتجاه (( نحو مزيج اكثر تنوعاً من العملات والأصول الاحتياطية ، يكون الدولار والذهب في مقدمتها إلى جانب اليورو وبعض العملات الآسيوية ).
ومن المتوقع ، في حال استمرار هذا الاتجاه خلال السنوات الخمس او العشر المقبلة ، ان يتجه النظام المالي العالمي نحو مزيد من التعدد في مراكز القوة الاحتياطية . وسيبقى الدولار على الأرجح العملة الاحتياطية الاولى والأكثر اهمية ، بينما يحتفظ اليورو بمكانته كعملة احتياطية رئيسية، وتزداد اهمية الذهب بصورة واضحة باعتباره مخزناً للقيمة واصلاً لا ترتبط بالتزام مالي مباشر على دولة اخرى ويحظى بقبول واسع لدى البنوك المركزية .
وفي الوقت نفسه ، قد تتوسع اهمية بعض العملات الآسيوية بصورة تدريجية وببطء، لاسيما على المستوى الإقليمي . وهذا لا يعني بالضرورة ان هذه العملات ستتمكن من منافسة الدولار بصورة مباشرة خلال فترة قصيرة ، وانما يعني ان وزنها النسبي في النظام المالي العالمي قد يزداد مع مرور الوقت .
وعليه فان الاتجاه المحتمل هو (( نحو نظام مالي عالمي اكثر تعدداً وأقل تركيزاً))، وليس نحو نظام يخلو من الهيمنة الدولارية ، فمن الصعب ان تتزعزع مكانة الدولار بسرعة . نظراً لان قوته لاتستند إلى كونه عملة احتياطية فقط ، وإنما إلى عمق أسواق المال الامريكية، وحجم سوق سندات الخزانة ، ودوره في التجارة الدولية والتمويل والمدفوعات ، فضلاً عن شبكة المؤسسات المالية العالمية المرتبط بها .
لذلك سيكون من الصعب جداً ان تحل عملة واحدة او الذهب محل الدولار خلال السنوات العشر المقبلة . والأرجح ان نشهد بدلاً من ذلك (( اعادة توزيع تدريجية لأوزان العملات والأصول داخل النظام الاحتياطي العالمي )؟
خلاصة القول
((نحن امام بداية اعادة تشكيل للنظام المالي العالمي ، وليس نهاية للنظام الدولاري . وهذا فرق جوهري .
فالدولار سيبقى في مركز النظام المالي العالمي ، ولكن هذا المركز قد يصبح اقل احتكاراً وأكثر تنافساً ، في الوقت الذي يعود فيه الذهب تدريجياً إلى موقع استراتيجي لم يكن يحتله بهذه القوة منذ عقود .
وبذلك فان السؤال في السنوات المقبلة لن يكون (( هل سينتهي عصر الدولار ؟ وإنما إلى اي مدى سيتحول النظام المالي العالمي من نظام يرتكز بصورة اساسية على الدولار إلى نظام متعدد الركائز تتقاسم فيه العملات الرئيسية والذهب النفوذ الاحتياطي العالمي ؟ )؟
عمان
١٣/٩/٢٠٢٦
