قولٌ شائع .. قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ.. آخِرُ ظُهُورٍ
فِي الثَّلَاثِينَ، يَمْلِكُ هَاتِفًا أَحْدَثَ مِنْ عُمْرِهِ المِهْنِيِّ، وَحِسَابَاتٍ أَكْثَرَ مِنْ أَصْدِقَائِهِ، وَمُتَابِعِينَ أَكْثَرَ مِنْ أَحْلَامِهِ.
لَا يَعْمَلُ.
وَحِينَ تَسْأَلُهُ أُمُّهُ عَنِ العَمَلِ، يَرْفَعُ هَاتِفَهُ بِفَخْرٍ:
ـ أَنَا مُؤَثِّرٌ.
ـ فِي مَاذَا؟
يُفَكِّرُ قَلِيلًا، ثُمَّ يُجِيبُ:
ـ فِي النَّاسِ.
كَانَتْ أُمُّهُ تَظُنُّهُ عَاطِلًا عَنِ العَمَلِ، بَيْنَمَا كَانَ هُوَ يَرَى نَفْسَهُ عَاطِلًا عَنِ الوَظِيفَةِ فَقَطْ.
يَسْتَيْقِظُ ظُهْرًا، يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ عَلَى شَاشَةِ الهَاتِفِ، وَيَتَفَقَّدُ العَالَمَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّدَ نَفْسَهُ.
يَتَنَاوَلُ إِفْطَارَهُ بَارِدًا؛ لِأَنَّ تَصْوِيرَهُ أَهَمُّ مِنْ أَكْلِهِ.
وَحِينَ تَضَعُ أُمُّهُ أَمَامَهُ طَبَقَ البَيْضِ، يُصَوِّرُهُ مِنْ سَبْعِ زَوَايَا، ثُمَّ يَكْتُبُ:
«صَبَاحُكُمْ نَجَاحٌ.»
تَسْأَلُهُ:
ـ وَمَتَى تَنْجَحُ أَنْتَ؟
يَرْفَعُ إِصْبَعَهُ أَمَامَ فَمِهِ:
ـ أَرْجُوكِ… أَنَا فِي بَثٍّ مُبَاشِرٍ.
ذَاتَ يَوْمٍ، تَصِلُهُ رِسَالَةٌ مِنْ شَرِكَةٍ تَدْعُوهُ إِلَى مُقَابَلَةِ عَمَلٍ.
يَرْتَدِي أَفْضَلَ قَمِيصٍ لَدَيْهِ، يُصَفِّفُ شَعْرَهُ، وَيَخْرُجُ.
فِي الطَّرِيقِ يُصَوِّرُ نَفْسَهُ:
«أَصْدِقَائِي… اليَوْمَ أَمَامِي تَحَدٍّ جَدِيدٌ، ادْعُوا لِي.»
يَدْخُلُ الشَّرِكَةَ.
يَجْلِسُ أَمَامَ المُدِيرِ.
ـ مَا مُؤَهِّلَاتُكَ؟
يَفْتَحُ هَاتِفَهُ:
ـ لَدَيَّ سَبْعَةُ آلَافٍ وَثَمَانُمِئَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ مُتَابِعًا.
يَصْمُتُ المُدِيرُ.
ـ أَقْصِدُ شَهَادَتَكَ.
ـ لَدَيَّ شَهَادَةٌ… لَكِنَّ تَفَاعُلَهَا ضَعِيفٌ.
يُحَاوِلُ المُدِيرُ كَتْمَ ابْتِسَامَتِهِ.
ـ مَاذَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْعَلَ؟
يَفْتَحُ هَاتِفَهُ مَرَّةً أُخْرَى:
ـ أَسْتَطِيعُ صِنَاعَةَ المُحْتَوَى.
ـ أَيَّ مُحْتَوًى؟
ـ أَيَّ شَيْءٍ يُحَقِّقُ مُشَاهَدَاتٍ.
يُشِيرُ المُدِيرُ إِلَى البَابِ:
ـ اخْرُجْ.
يَخْرُجُ سَعِيدًا.
يَفْتَحُ هَاتِفَهُ فَوْرًا، وَيَنْشُرُ:
«رَفَضْتُ وَظِيفَةً لَا تَلِيقُ بِطُمُوحِي.»
تَحْصُدُ الجُمْلَةُ أَلْفَ إِعْجَابٍ.
يَبْتَسِمُ.
أَخِيرًا… نَجَحَ.
بَعْدَ أَشْهُرٍ، يَبْدَأُ هَاتِفُهُ بِالامْتِلَاءِ بِالإِشْعَارَاتِ، بَيْنَمَا يَبْدَأُ البَيْتُ بِالامْتِلَاءِ بِالفَرَاغِ.
أُمُّهُ تَدْخُلُ المُسْتَشْفَى.
يَتَلَقَّى اتِّصَالًا مِنَ المُسْتَشْفَى.
يَرَى الرَّقْمَ.
يَتَرَدَّدُ.
إِنَّهُ فِي بَثٍّ مُبَاشِرٍ.
يَكْتُبُ لِلْمُمَرِّضَةِ:
«أَرْسِلِي التَّفَاصِيلَ وَاتْسَاب.»
فِي اليَوْمِ التَّالِي، يَذْهَبُ إِلَى المُسْتَشْفَى.
تَكُونُ أُمُّهُ قَدْ رَحَلَتْ.
يَجْلِسُ قُرْبَ سَرِيرِهَا، وَالهَاتِفُ فِي يَدِهِ.
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ لَا يَجِدُ مَا يُصَوِّرُهُ.
لَا يَعْرِفُ مَاذَا يَفْعَلُ بِالصَّمْتِ.
تَظْهَرُ أَمَامَهُ نَافِذَةٌ صَغِيرَةٌ:
«آخِرُ ظُهُورٍ: مُنْذُ يَوْمَيْنِ.»
يَتَأَمَّلُ العِبَارَةَ.
ثُمَّ يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً مَكْسُورَةً.
يَفْتَحُ حِسَابَهُ، وَيَكْتُبُ:
«أَصْدِقَائِي… اليَوْمَ فَقَدْتُ أَعَزَّ إِنْسَانَةٍ فِي حَيَاتِي.»
تَنْهَالُ التَّعْلِيقَاتُ:
«اللهُ يَرْحَمُهَا.»
«البَقَاءُ لِلَّهِ.»
«مُحْتَوًى مُؤَثِّرٌ جِدًّا.»
«أَوَّلُ مَرَّةٍ تُبَكِّينِي.»
يَنْظُرُ إِلَى الأَرْقَامِ.
المُشَاهَدَاتُ تَرْتَفِعُ.
عِشْرُونَ أَلْفًا…
خَمْسُونَ…
مِئَةُ أَلْفٍ…
تَلْمَعُ عَيْنَاهُ.
يَهْمِسُ:
ـ أُمِّي… أَخِيرًا أَصْبَحْتُ مَشْهُورًا.
ثُمَّ يَهْتَزُّ الهَاتِفُ فِي يَدِهِ.
إِشْعَارٌ جَدِيدٌ:
«مُبَارَكٌ! لَقَدْ وَصَلْتَ إِلَى مِلْيُونِ مُشَاهَدَةٍ.»
يَرْفَعُ رَأْسَهُ نَحْوَ السَّرِيرِ الفَارِغِ.
لِحَظَةً، يَبْدُو كَأَنَّهُ يُرِيدُ البُكَاءَ.
لَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ شَيْئًا أَهَمَّ.
يَفْتَحُ الكَامِيرَا.
وَيَبْتَسِمُ.
فَقَدْ تَعَلَّمَ مُنْذُ زَمَنٍ أَنَّ الحُزْنَ الحَقِيقِيَّ لَا يَكْتَمِلُ… إِلَّا إِذَا أَمْكَنَ تَصْوِيرُهُ…!!.
بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
20.أغسطس.آب.2026م.
