كثيرًا ما نسمع، أو نقول نحن أنفسنا عند الشعور بالظلم أو التجاهل: “هَلْ أَنَا ابْنُ الْبَطَّةِ السَّوْدَاءِ؟” حتى غدت العبارة مرادفًا للتهميش وعدم المساواة، من غير أن يتوقف معظمنا ليتساءل: لماذا اختيرت البطة السوداء تحديدًا لهذا المعنى؟
لعلَّ معظم القراء لم يُشاهدوا في حياتهم بطةً سوداء حقيقية. أما أنا فقد رأيتُها لأول مرة خلال زيارة لإحدى المحميات الطبيعية في العاصمة النمساوية فيينا، حيث كانت أسرابٌ من بط الكايوغا الأسود تسبح في بحيرة هادئة بمنظرٍ آسِرٍ يدعو إلى الإعجاب لا إلى النفور. عندها راودني سؤال بسيط: كيف أصبح هذا الطائر الجميل في ثقافتنا رمزًا للإقصاء؟
في الثقافة العربية، ولا سيما المصرية، يُستعمل تعبير “ابن البطة السوداء” للدلالة على الشخص الذي يشعر بأنه الأقل حظًا أو الأكثر تعرضًا للتمييز والازدراء. ويُرجِّح بعض الباحثين أن أصل هذا التعبير يعود إلى قصة “البطة القبيحة” لهانس كريستيان أندرسن، التي تنتهي برسالة إنسانية تدعو إلى تقبُّل الاختلاف، إلا أن الذاكرة الشعبية احتفظت ببداية القصة، حيث النبذ والسخرية، وأهملت نهايتها المشرقة.
كما أسهمت رمزية اللون الأسود في الثقافة العربية في ترسيخ هذا المعنى، إذ ارتبط في كثير من التعابير بالحزن أو الشؤم، مثل: “يومٌ أسود” أو “ليلةٌ سوداء”. ومع أن هذه الدلالات رمزية في الأصل، فإنها قد تترك أثرًا غير مباشر في النظرة إلى كل ما يرتبط بهذا اللون.
وفي بعض البيئات العربية، قد يلتقي هذا التعبير مع التحيز اللوني تجاه ذوي البشرة الداكنة، فيُفهم أحيانًا على نحوٍ يحمل إيحاءات تمييزية، حتى وإن لم يكن ذلك مقصودًا من قائل العبارة. لذلك ينبغي التمييز بين الاستخدام الشعبي للتعبير وبين توظيفه في سياقات قد تُكرِّس صورًا نمطية غير عادلة.
والمفارقة أن البط الأسود في أوروبا يُعدُّ طائرًا نادرًا وجميلًا، بل يُربَّى أحيانًا لقيمته الجمالية، وهو ما يجعل الصورة الأوروبية تكاد تكون معاكسة تمامًا للصورة المتداولة في ثقافتنا.
وليست “البطة السوداء” المثال الوحيد؛ فالثقافة الإنجليزية تعرف تعبير “الخروف الأسود” للدلالة على الفرد المختلف داخل أسرته، بينما ارتبط الغراب الأسود في بعض الموروثات الأوروبية بالشؤم، كما ارتبط الكلب الأسود في بعض المعتقدات الشعبية العربية بدلالات سلبية. وتُظهر هذه الأمثلة كيف تُعيد الثقافات المختلفة تحميل الألوان والرموز بمعانٍ قد لا تكون ثابتة ولا موضوعية.
ويبقى السؤال: هل تدل عبارة “ابن البطة السوداء” على الدونية والتهميش فعلًا، أم أنها مجرد تعبيرٍ شعبي ورثناه من دون أن نراجع معناه؟
لعلَّ الجواب يظل مفتوحًا؛ فالكلمات لا تحمل دلالاتها بذاتها، بل تُكسِبها الثقافاتُ ما تشاء من معانٍ، وقد آن الأوان لأن نُعيد النظر في بعض التعابير التي نرددها من غير أن نتأمل أصولها أو آثارها.
بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
٦ آب / أغسطس ٢٠٢٦م
مفاهيم ومصطلحات معاصرة.. ابنُ البَطَّةِ السَّوداءِ… رَمْزُ التَّهْمِيشِ أَمْ سُوءُ فَهْمٍ ثَقَافِيّ؟
د. عبد الرحيم الشويلي
📎 رابط مختصر للمقال:
https://alarabportal.com/?p=94304
