عبر مجريات الحرب الأمريكية الاسرائيلية ضد ايران ،ربما استوعب ترامب ونتنياهو مشكلة (مضيق هرمز ) كان خطأ استراتيجي لم تتم فيه الحسابات والتوقعات ،فالاعتقاد ان هزيمة إيران عسكرياً تعني (انتصار امريكا وإسرائيل سياسياً)هو ايضا اعتقاد ساذج ،فالحرب أصلاً هي احدي ادوات العمل السياسي . النجاح فيها يقاس بقدر ما يحرز من مكاسب سياسية ،لا بقدر ما يدمر عسكرياً.
لقد كان الطرفان ترامب ونتنياهو بعيدين عن (الحكمة والفطنة )حينما هدد قبل الحرب بانه يستهدف محو (الحضارة الإيرانية)،فالثابت وربما العقل السياسي خرج متماسكاً من بين الأنقاض تحت القصف المكثف العنيف ،هو عقل ظل ومنذ عام 1979 داخل بيئة منغلقة أنتجت نظاماً سياسياً عنودا مستعصما برفض التجارب مع الداخل بحذر وتربص وعداء وصدام مع الخارج .
هو نظام مبني علي (هرمية مركزية فردية )حتي لو اتخذ شكل مؤسسات . قطبه رجل يتمتع بسلطة (مطلقة )تدير شؤون البلاد وفق ما تراه عقيدته وليس كما يرغب به العباد . ((هذه معضلة استعصي استيعابها حتي علي قيادات داخل النظام نفسه الملالي ) من مرحلة وطراز (هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي ).
ونتيجة عدم استيعاب الرئيس ترامب هذه التركيبة الايرانية،توالت رهاناته الخاطئة في شأن تطور النظام والعلاقات الثنائية،فهو يبدو كأنما لم يدرك (ان بتر رأس النظام لا يعني موت الجسد )بل لعل تصفية الطبقة العليا في هرم النظام زاد الوضع أرباكا وتعقيداً،فما عاد ثمة يقين يحدد القابضين علي مفاتيح المؤسسات للدولة .
الثابت بقاء السياسات كما كانت تتسم (بالثبات او نقل بالجمود ) وضيق علي هامش فرص التغيير . تلك طبيعة النظام الإيراني علي مدي تعاقب الرؤوساء منذ نشوء (الجمهورية الإسلامية).
والمفارقة انه في مقابل صمود توجهات النظام يتعرض موقف الرئيس ترامب للتأكل داخل أمريكا ودائرة حلفاؤه .
ومن سوء وفقر الحسابات لدي ترامب وادارته ان (الملف النووي )يجسد اشد المحاور للصدام سخونة بين طهران والخارج )،بل يكاد يشكل (الاولوية في ركائز سياسته الخارجية ،والاخري هي اذرعه العسكرية في المنطقة العربية (فخصوصية الملف النووي وضيق هامش صناعة القرار تحت عبادة المرشد الاعلي داخل هرم النظام المنغلق)يساعدان علي استيعاب دراما البحث عن مخرج للازمة الراهنة والمطبقة علي اطرافها والمتأثرين بتداعياتها .
الملف النووي الإيراني اكثر ما استنزف المجتمع الدولي وايران ذاتها ،اذ ظل مفتوحاً علي جدل شاق طويل الأمد ومتعدد الجولات صعوداوهبوطا مع الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأميركية والوكالة الدولية للطاقة الذرية. وطوال كل هذا ظلت ايران متمسكة بأسلوب (المفاوضات التميعية) وبقت مصرة وعنودة بمكابرة علي عدم التنازل في شأن مشروعها النووي أملا في توفر فرص الانفراج او التقليل من اثاره السلبية .
لذلك لن يكون هناك توافق علي اعادة فتح التفاوض وجدالاته المملة انتصاراً لترامب وادارته . ايران وعقلها السياسي العقائدي تماسك اكثر عبر القصف المكثف والخسارة البشرية للقيادات في الدرجة الاولي .
لم تستطع منظومة ادارة ترامب استيعاب اوتوماتيكية صنع القرار في طهران فرغم وجود مؤسسات يتعذر تحديدها في حسم القضايا الكبري ومنها (مؤسسة المرشد الاعلي ورئاسة الجمهورية والحرس الثوري ورئاسة الوزراء والبرلمان ومجلس الأمن القومي وهو الذي يضم ممثلين لتلك المؤسسات ) يضاف لها اجهزة الامن العام والاستخبارات وهي التي تشارك في صناعة القرار وتدرج تنفيذه .
لكن في السياسة الإيرانية فالواقع له دور آخر وهو ((الهيمنة الشخصية ))التي تمنح المسؤول التغلب علي ((الهيكلة المؤسسية )) وهذا ما ولد صدامات عدة داخل النظام نفسه فمثلا ((ابو الحسن بني صدر وهو اول رئيس للجمهورية الاسلامية كان اول ضحاياها (اذ اصطدم بتشريعات للثورة الديمقراطية مع دكتاتورية الولي الفقيه ) بعد نحو 15 شهراً فقط واضطر للهرب إلي فرنسا لاجئا سياسياً وكتب لنفسه مصيراً افضل مما تعرض له من خلفه محمد علي رجائيحيث انتهت ولايته بعد 28 يوماً فقط بانفجار حقيبة يده داخل رئاسة الوزراء (فكان ضحية صراع الأجنحة لم تحسم داخل معسكر الثورة ).
وحتي هاشمي رفنسنجاني لم تشفع له مكانته ؟كرجل دين وبازار ورئيس سابق لمجلس تشخيص النظام ثم رئيساً للبرلمان من الصدام مع مراكز القوي داخل النظام ولم تنفعه محاولاته في أطفاء طابع الدولة علي الثورة للسياستين الداخلية والخارجية. فبعد (ولايتين في رئاسة الجمهورية)جرد من حق المشاركة في الانتخابات ووجهت له تهمة (انه تحول الي شخصية ليبرالية).وهي ما تجنبه الرئيس (محمد خاتمي )حيث اكتفي بالأقوال دون الأفعال ،والتي تعرض لها رئيس الجمهورية الثامن (ابراهيم رئيسي)للاغتيال ومصرعه في حادث طائرة لم يكن غامضاً وتم ذلك (بشبهة انه خليفة اصلاحي لاحلال منصب المرشد الاعلي بدلاً من علي خامنئي)
خلاصة البحث لنصوص المقالة فيما تعرضت له ايران هي فوضي تفتح الفرص للتنافس بين ذوي الطموحات لملء الفراغات في النظام الإيراني .
ففي سجل الذكريات ولاجل قطع الطريق علي (تيار رفسنجاني) جئ بالرئيس (احمد نجاتي)وهو ربيب للنظام ولم يكن قد طفي علي سطح السياسة ولم تكن تجربته السياسية معلومة ،لكنه كان ابن الحرس الثوري تدرب وقاتل في صفوفه وجري صقل مواهبك وعقله نحو العقيدة في قطاعات ادارية وتنظيمية عدة وتقريبه للمرشد العام كمؤهل قيادي . لذلك جاء بتوصية ومهيألخوض احداث الردة عن مسارات رفسنجاني الإصلاحية في الداخل الإيراني ونهج خاتمي في الدبلوماسية الناعمة مع الخارج . صعد نجاتي كونه مؤيدا في استمرار عملية التخصيب لليورانيوم،وهو موقف مباغت للترويكا الاوربية والولايات المتحدة الأمريكية وقدم انطباعاً ايجابياً للمرشد العام تم عبره استبدال علي لاريجاني بحسن روحاني .وبات هنا بصمات علي خامنئي تطبع حقل السياسات بكاملها .
وختاما وليس اخيراً فان من سوء تقديرات سياسة ترامب وادارته ما راج مع بدايات الحرب هو (عدم عزم الادارة الامريكية اعادة تنصيب احمد نجاد رئيسا مؤقتاً كونه العقل المناسب لتنفيذ رؤي الرئيس ترامب ونتنياهو الإيرانية الجديدة .
اما وقد ترنح المسرح السياسي الإيراني بعد تصفية قيادات الطبقة العليا فمن السهل تحديد موازين القوي بين المحافظين والاصلاحيين داخل النظام الإيراني . لكن من الثابت ان فوضي اختيار طبقة جديدة عليا ستفتح فرص التسابق لشخوص الطبقة الوسطي وذوي الطموحات الشخصية لملء الفراغات خاصة وهناك رؤي متباينة حول (قدرة المرشد الجديد مجتبي خامنئي في ملء عباءة الهيمنة أبيه المغدور ) هذه الشكوك تشغل عقول جميع شاغلي مناصب الدولة واجهزتها .
هناك ايضا فوضي تشكل بيئة مؤاتية للتنافس بين ذوي الطموحات غير المشروعة ومتشددون يأملون في ببعث النظام ما قبل الحرب من بين الأنقاض يضاف لها منطلقات مرئية منها وخفية والتي تقاطع التفاوض وتطويل أمد الحرب لاجل النصر وعدم ضياع ايران المحافظة في وقت هناك متطلعون في (ايران جديدة )
والمتطلع لهذه التناقضات يدرك حجم حسم موازين القوي داخل النظام والتي تسهم في تاجيل اتفاق نهاية الحرب .
أ. د. طارق السامرائي / بريطانيا
