غَزْوُ السَّمَاءِ.. الأَجْسَامُ الطَّائِرَةُ المَجْهُولَةُ… حِينَ يَعْجِزُ العَقْلُ عَنِ الإِجَابَةِ
قِصَّةٌ قَدِيمَةٌ بِسُؤَالٍ جَدِيدٍ: مَنْ يَطِيرُ فَوْقَنَا؟
منذُ أن كُنَّا صِغارًا، كُنَّا نَسمعُ ونقرأُ عن تلكَ الأجسامِ الغريبةِ التي تظهرُ في السماءِ فجأةً، تلمعُ للحظاتٍ، تتحرّكُ بطريقةٍ لا نفهمُها، ثم تختفي كأنَّ السماءَ ابتلعتها.
كُنّا نسمّيها ببساطة: الصُّحونَ الطائرة.
وكانَ خيالُنا الصغيرُ يذهبُ أبعدَ من العلم؛ فنتساءلُ ببراءة: هل توجدُ حياةٌ أخرى في هذا الكونِ الهائل؟ وهل يمكنُ أن تكونَ تلكَ الأطباقُ الغامضةُ سفنًا فضائيةً صغيرةً أرسلها إلينا بشرٌ آخرون يعيشونَ في كوكبٍ بعيد، في مجرّةٍ لا نعرفُ عنها شيئًا؟
كبرنا… لكنَّ السؤالَ لم يكبرْ وحدَه؛ بل كبرَ معه الغموض.
واليومَ لم تعدِ الجهاتُ العلميةُ والعسكريةُ تتحدثُ فقط عن UFO، بل تستخدمُ مصطلح UAP، أي «الظواهر الجوية أو الشاذة غير المحددة». وناسا نفسها درست الظاهرة علميًا، بينما تواصل أجهزةٌ حكوميةٌ وعسكريةٌ جمعَ التقارير وتحليلَها. لكنَّ المفاجأةَ أنَّ العلمَ، حتى الآن، لم يجدْ دليلًا قاطعًا على أنَّ هذه الظواهرَ ذاتُ أصلٍ خارجِ الأرض.
وهنا تبدأُ الحكايةُ الحقيقية.
مِنَ الصُّحونِ الطَّائِرَةِ إِلَى UAP
في عام 1947، أبلغَ الطيارُ الأمريكي كينيث أرنولد عن رؤيةِ أجسامٍ لامعةٍ قربَ جبل رينييه، ووصفَ حركتَها بطريقةٍ أثارت اهتمامَ الصحافةِ والرأيِ العام، ومنها انتشرَ تعبيرُ «الصُّحونِ الطائرة».
وفي العامِ نفسِه، جاءت حادثةُ روزويل الشهيرة في نيو مكسيكو، حين أعلنَ الجيشُ العثورَ على حطامٍ أثارَ سيلًا من التكهنات، قبلَ أن تُقدَّمَ تفسيراتٌ عسكريةٌ مرتبطةٌ ببالونٍ لمراقبةِ النشاطِ النووي السوفييتي. ومع مرورِ العقود، تحوّلت روزويل من حادثةٍ عسكريةٍ غامضةٍ إلى واحدةٍ من أشهرِ الأساطيرِ في الثقافةِ الشعبية.
ثم جاءت حادثةُ واشنطن عام 1952، حيث أبلغَ عن أجسامٍ غيرِ محددةٍ فوقَ العاصمةِ الأمريكية، وأصبحت الحادثةُ واحدةً من أشهرِ وقائعِ عصرِ الهوسِ بالـUFO.
وفي عام 1976، جاءت حادثةُ طهران، التي اكتسبت شهرةً خاصةً بسببِ تقاريرَ عن رصدِ جسمٍ مضيءٍ بواسطةِ الرادار، وملاحقتِه من طائراتٍ عسكرية. وهي من الحالاتِ التي ظلّت تثيرُ اهتمامَ الباحثينَ في الظاهرةِ حتى اليوم.
لكنَّ القصةَ لم تتوقفْ هناك.
حين تدخلُ السماءُ إلى غرفةِ العمليات
في العقودِ الأخيرة، انتقلت الظاهرةُ من صفحاتِ الصحفِ الشعبيةِ إلى ملفاتِ المؤسساتِ العسكرية.
وفي عام 2020، أعلنت وزارةُ الدفاعِ الأمريكية رسميًا نشرَ ثلاثةِ مقاطعَ فيديو التقطتها طائراتُ البحرية، بعد أن كانت المقاطعُ قد انتشرتْ سابقًا بصورةٍ غيرِ رسمية. وأكدت الوزارةُ أنَّ الأجسامَ الظاهرةَ فيها بقيت، في ذلك الوقت، غيرَ محددة الهوية.
وهنا تغيّرَ السؤال.
لم يعد السؤالُ فقط:
«هل رأى أحدٌ طبقًا طائرًا؟»
بل أصبح:
«ماذا رأى الطيار؟ وماذا التقطَ الرادار؟ وماذا تستطيعُ أجهزةُ الاستشعارِ أن تثبتَه فعلًا؟»
وهذا فرقٌ كبير.
فالإنسانُ قد يخطئُ في تقديرِ الحجمِ والمسافةِ والسرعة، كما قد تُضلّلُ العدساتُ وأجهزةُ الاستشعارِ العينَ البشرية. ولهذا أصبحَ التحدي الحقيقيُّ هو الحصولُ على بياناتٍ متعددةٍ ومستقلةٍ يمكنُ التحققُ منها.
فهل نحنُ أمامَ زُوّارَ من الفضاء؟
هذه هي الفرضيةُ الأكثرُ إثارةً للخيال.
ربما توجدُ حضاراتٌ أخرى في هذا الكونِّ الشاسع، وربما قطعتْ تقنياتها مسافاتٍ لا تستطيعُ حضارتُنا حتى تخيّلَها. فالكونُ أوسعُ من أن نضعَ حدودًا للاحتمالات.
لكنَّ الإمكانَ ليس دليلًا.
وهذه قاعدةٌ يجبُ ألا ننساهَا ونحنُ نطاردُ أكثرَ ألغازِ السماءِ إثارة.
فحتى الآن، تقولُ ناسا صراحةً إنَّه لا توجدُ بياناتٌ تدعمُ أنَّ الظواهرَ الجويةَ غيرَ المحددةِ دليلٌ على تقنياتٍ فضائيةٍ من خارجِ الأرض، كما لم تجدِ الدراساتُ العلميةُ المنشورةُ دليلًا حاسمًا على أصلٍ خارجِ الأرض لهذه الظواهر.
وهذا لا يعني أنَّ كلَّ شيءٍ قد فُسِّر.
وهنا تكمنُ المفارقة.
وجودُ حالاتٍ غيرِ مفسَّرةٍ لا يعني أنَّها فضائية، لكنه يعني أيضًا أنَّ لدينا أسئلةً لم نجدْ لها إجاباتٍ نهائيةً بعد.
سِرُّ المجهول
هناكَ عدةُ تفسيراتٍ محتملة.
قد تكونُ بعضُ المشاهداتِ طائراتٍ أو مناطيدَ أو أقمارًا صناعية، وقد تكونُ مسيّراتٍ أو صواريخَ أو أجسامًا أخرى لم يتعرّفْ إليها الشاهدُ في اللحظةِ المناسبة.
وقد تكونُ بعضُها ظواهرَ جويةً أو ضوئيةً نادرة.
وقد تكونُ هناكَ حالاتٌ ناجمةٌ عن أخطاءِ أجهزةِ الرصدِ أو أوهامِ المنظورِ والحركة.
وهناكَ احتمالٌ آخر لا يقلُّ أهميةً: التقنياتُ العسكريةُ السرية.
فالسماءُ ليستْ مسرحًا للنجومِ وحدَها؛ إنها أيضًا مختبرٌ مفتوحٌ للتجاربِ الجويةِ والاستطلاعِ والطائراتِ غيرِ المأهولةِ والتقنياتِ التي قد لا يعرفُ الجمهورُ شيئًا عنها.
ومن هنا، فإنَّ بعضَ «الأجسامِ الغريبة» قد لا تكونُ قادمةً من مجرّةٍ بعيدة، بل من مختبرٍ قريبٍ جدًا… لكنَّ صاحبه لا يريدُ أن نعرفَه.
وماذا تقولُ الأرقامُ الجديدة؟
المثيرُ أنَّ الاهتمامَ الرسميَّ بالظاهرةِ لم يتراجع، بل ازداد.
فمكتبُ AARO الأمريكي المختصُّ بالظواهرِ الشاذة يواصلُ نشرَ البياناتِ والصورِ والتقارير، وقد أضافَ في عام 2026 موادَّ جديدةً تتضمنُ حالاتٍ جرى رصدُها بواسطةِ أجهزةِ استشعارٍ عسكرية. كما تُظهرُ بياناتُ المكتبِ أنَّ نسبةً كبيرةً من الحالاتِ التي أمكنَ حسمُها تعودُ إلى بالوناتٍ وأقمارٍ صناعيةٍ وطائراتٍ ومسيّراتٍ وأجسامٍ معروفةٍ أخرى.
والأهمُّ من ذلك أنَّ التقاريرَ الرسميةَ لا تقولُ: «لقد وجدناَ الزوارَ الفضائيين».
بل تقولُ شيئًا أكثرَ تواضعًا وأكثرَ علمية:
هناكَ مشاهداتٌ لم تُحسمْ بعد، ونحتاجُ إلى بياناتٍ أفضل.
وقد خلصَ تقريرُ AARO التاريخيُّ إلى عدمِ وجودِ دليلٍ تجريبيٍّ على أنَّ الحالاتِ التي درسَها تمثلُ تكنولوجيا خارجية، كما أشارَ إلى أنَّ كثيرًا من الحالاتِ التي بقيتْ بلا تفسيرٍ تفتقرُ أصلًا إلى بياناتٍ كافيةٍ للحسم.
بينَ فينيكسَ وهيسدالنَ وطهران
تظلُّ بعضُ الحوادثِ الشهيرةِ حاضرةً في ذاكرةِ الباحثين.
رؤيةُ أضواءِ فينيكس عام 1997 أصبحت واحدةً من أشهرِ قصصِ الـUFO في العصرِ الحديث.
وأضواءُ هيسدالن في النرويج قدمتْ مثالًا آخرَ على ظاهرةٍ ضوئيةٍ غريبةٍ تكررتْ وأثارتْ اهتمامَ العلماءِ والباحثين.
أما حادثةُ طهران، وحوادثُ أخرى رُصدتْ بواسطةِ الرادارِ أو الطائراتِ العسكرية، فقد منحتِ الظاهرةَ بُعدًا مختلفًا؛ لأنَّ الأمرَ لم يعدْ قائمًا دائمًا على عينِ شاهدٍ واحد.
ومع ذلك، تبقى المشكلةُ نفسها:
الرصدُ الغامضُ ليسَ دليلًا على مصدرٍ فضائي.
قد يكونُ الدليلُ قويًا على أنَّ شيئًا ما حدث، لكنه لا يكونُ كافيًا لمعرفةِ ما هو ذلك الشيء.
وهنا يفترقُ العلمُ عن الخيال.
الكونُ أكبرُ من أن نغلقَ الباب
ربما نكونُ وحدَنا في هذا الكون.
وربما توجدُ حياةٌ في مكانٍ آخر.
وربما توجدُ حضاراتٌ سبقتْنا بملايينِ السنين.
وربما تكونُ بعضُ الظواهرِ التي نراها في السماءِ مجردَ ظواهرَ طبيعيةٍ أو أخطاءٍ في الرصدِ أو تقنياتٍ بشريةٍ متقدمة.
كلُّ هذه احتمالات.
لكنَّ العلمَ لا يختارُ أكثرَها إثارةً، بل أكثرَها قابليةً للإثبات.
ولهذا فإنَّ أعظمَ ما في قضيةِ الأجسامِ الطائرةِ المجهولة ليسَ أنها تثبتُ وجودَ كائناتٍ فضائية، وإنما أنها تذكّرُنا بحقيقةٍ أكثرَ تواضعًا وأشدَّ إثارة:
ما زلنا لا نعرفُ كلَّ شيء.
فالإنسانُ الذي أرسلَ مركباتِه إلى أطرافِ المجموعةِ الشمسية، ونجحَ في تصويرِ مجراتٍ تبعدُ ملياراتِ السنينِ الضوئية، ما زال يقفُ أحيانًا أمامَ نقطةِ ضوءٍ في السماءِ ويسأل:
ما هذا؟
ولعلَّ أجملَ ما في السؤالِ أنَّ الإجابةَ لم تصلْ بعد.
وأخيرًا… انظرْ إلى السماء!
أيُّها القارئُ اللبيب، لا أنصحُكَ بأن تصدّقَ كلَّ قصةٍ عن طبقٍ طائر، ولا أن تسخرَ من كلِّ شخصٍ يقولُ إنَّه رأى شيئًا غريبًا.
فقط…
ارفعْ رأسَكَ أحيانًا.
راقبِ السماء.
فربما ترى قمرًا مكتملًا، أو شهابًا خاطفًا، أو طائرةً تحلّقُ على ارتفاعٍ شاهق…
وربما ترى ومضةً ضوئيةً لا تعرفُ لها تفسيرًا.
وربما، في لحظةٍ نادرةٍ جدًا، يظهرُ أمامَكَ شيءٌ يجعلكَ تنسى كلَّ ما تعرفُه عن السماءِ والأرض…
ثم يختفي.
وعندها فقط ستفهمُ لماذا ظلَّ الإنسانُ، منذُ آلافِ السنين، يرفعُ رأسَه إلى الأعلى.
ففي السماءِ أسئلةٌ أكثرُ بكثيرٍ من الأجوبة.
بقلمي
عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
16 آب/أغسطس 2026م
غَزْوُ السَّمَاءِ.. الأَجْسَامُ الطَّائِرَةُ المَجْهُولَةُ… حِينَ يَعْجِزُ العَقْلُ عَنِ الإِجَابَةِ
بقلم الدكتور عبد الرحيم الشويلي
📎 رابط مختصر للمقال:
https://alarabportal.com/?p=94578
