24 أغسطس، 2026 - 12:57 صباحًا
إيران الحرةسليدرمقالات وآراء

إيران… اقتصاد على حافة الانسداد الكامل

بقلم: حسن محمودي

لم تعد الأزمة الاقتصادية في إيران مجرد موجة تضخم جديدة أو عجز مالي يمكن احتواؤه بإجراءات مؤقتة. ما تكشفه الأرقام والتصريحات الأخيرة هو دخول الاقتصاد الإيراني مرحلة انسداد بنيوي، حيث تتآكل احتياطيات الدولة، وتفقد مؤسساتها المالية والنفطية قدرتها على الحركة، بينما يدفع المجتمع، ولا سيما الفئات الأشد فقرًا، ثمن الانهيار عبر تضخم يلتهم ما تبقى من القدرة على العيش.

تتجسد هذه الأزمة في كارثتين متزامنتين: ديون هائلة مستحقة على الحكومة وشركة النفط الوطنية لصالح صندوق التنمية الوطني، وتوسع التضخم إلى مستويات ثلاثية الخانات في بعض المحافظات والفئات المحرومة. والنتيجة أن الاقتصاد لم يعد يعاني خللًا عابرًا، بل أزمة عميقة تمس قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، وقدرة المجتمع على الصمود.

“127 مليار دولار… استنزاف صندوق الأجيال”

كشف رضا محمدي، نائب الاستثمار في صندوق التنمية الوطني، حجم المأزق حين أعلن أن مطالبات الصندوق بلغت 127 مليار دولار، منها أكثر من 110 مليارات دولار على الحكومة، وأكثر من 17 مليار دولار على شركة النفط الوطنية الإيرانية.

هذا الرقم لا يمثل دينًا ماليًا فقط، بل يعكس استنزافًا لأحد أهم صمامات الأمان الاستراتيجية في البلاد. فصندوق التنمية الوطني كان يفترض أن يكون أداة لحماية ثروة الأجيال المقبلة، وتنمية الاستثمار، وتقليل الاعتماد المباشر على عائدات النفط. لكنه تحول عمليًا إلى خزان تلجأ إليه السلطة لسد عجزها، حتى بات هو نفسه ضحية للإنفاق غير المنتج والشلل الإداري.

وكانت هناك خطة في عهد إبراهيم رئيسي لتسوية هذه الديون عبر استثمارات مباشرة للصندوق في حقول النفط والغاز. غير أن هذه الخطة بقيت مجرد مذكرة تفاهم غير منفذة. وفي الوقت نفسه، أقر مسؤولو الصندوق بأن شركة النفط الوطنية عاجزة عن تسديد التزاماتها البالغة 17 مليار دولار من عائدات حقل آزادغان، بسبب الشلل البيروقراطي وتعثر تطوير المشاريع.

وهنا تظهر مفارقة قاسية: دولة نفطية لا تستطيع تسديد ديونها من حقولها النفطية. فالأزمة لا تكمن في نقص الموارد وحده، بل في بنية إدارة مشلولة، وفي قطاع نفطي عاجز عن تحويل الثروة الطبيعية إلى قدرة مالية حقيقية.

“التضخم وهاوية البؤس”

إلى جانب أزمة الديون، تتوسع كارثة التضخم. فقد حذر الخبير الاقتصادي فرشاد مؤمني، المحسوب على الأوساط الاقتصادية القريبة من الدولة، من أن التضخم المفرط لم يعد احتمالًا نظريًا، بل واقعًا قائمًا، قائلًا إن إيران دخلت “مرحلة البؤس”.

وتكمن خطورة هذا التحذير في أنه لا يتعامل مع التضخم كظاهرة نقدية فقط، بل كآلية اجتماعية لإعادة توزيع الثروة من الأسفل إلى الأعلى. فالتضخم المرتفع، وفق هذا التحليل، يسحق الفئات الضعيفة، بينما يعزز نفوذ المافيات والاحتكارات والشبكات المرتبطة بمراكز القوة.

وبحسب مؤمني، فإن بيانات مركز الإحصاء الإيراني لشهر خرداد، أي مايو ويونيو، تكشف أن التضخم بثلاث خانات ظهر بالفعل لدى بعض الفئات الدخلية وفي بعض المحافظات المحرومة. والأخطر أن هذه هي الأرقام الرسمية فقط، أما الواقع غير الرسمي فقد يكون أشد قسوة.

هذا يعني أن إيران لم تعد أمام أزمة أسعار عامة فقط، بل أمام تفاوت جغرافي واجتماعي في الألم الاقتصادي. فالمناطق الأكثر حرمانًا والفئات الأقل دخلًا لا تعيش التضخم كرقم، بل كفقدان يومي للغذاء والدواء والعمل والكرامة.

“حين يلتقي التضخم بالبطالة”

يحذر مؤمني أيضًا من أن كل موجة تضخمية تحمل آثارًا مدمرة على الإنتاج والتوظيف. فعندما ترتفع الأسعار بهذه الوتيرة، لا تتضرر الأسر وحدها، بل يتضرر المنتجون أيضًا. ترتفع كلفة المواد الأولية، تنكمش القدرة الشرائية، تتراجع المبيعات، وتضعف قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على الاستمرار.

وعندما يلتقي التضخم بالبطالة، يصبح المجتمع أمام ما وصفه مؤمني بـ”هاوية البؤس”. فالناس لا يواجهون فقط ارتفاع الأسعار، بل فقدان فرص العمل وانعدام القدرة على التخطيط للمستقبل. وفي مثل هذه الظروف، لا يبقى العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن قائمًا إلا بالقوة والخوف.

لقد حاول النظام الإيراني لسنوات إدارة الأزمة عبر المسكنات: طباعة النقود، السحب من الصناديق، تأجيل الديون، استخدام عائدات النفط بطرق غير شفافة، وتحميل المواطنين كلفة العجز. لكن اجتماع دين سيادي ضخم، وقطاع نفطي مشلول، وتضخم منفلت، يعني أن هامش المناورة يضيق بسرعة.

“اقتصاد يخدم شبكات القوة”

الأهم أن التضخم في إيران لا يعمل كخلل اقتصادي محايد. إنه يتحول إلى أداة تعزز موقع شبكات النفوذ المرتبطة بالسلطة. فالفئات القريبة من مراكز القرار، والمافيات الاقتصادية، والاحتكارات، والجهات التي تملك الوصول إلى العملة والسلع والامتيازات، تستطيع أن تحمي نفسها بل وتربح من الفوضى. أما العمال والموظفون والمتقاعدون وسكان المحافظات المحرومة، فيُتركون وحدهم أمام انهيار الدخل وارتفاع الأسعار.

بهذا المعنى، يصبح التضخم شكلًا من أشكال النهب غير المباشر. فهو لا يأخذ المال من جيب المواطن بقرار ضريبي معلن فقط، بل يلتهم قيمة دخله ومدخراته يومًا بعد يوم، ويفتح الطريق أمام طبقة من المنتفعين الذين يزدهرون في اقتصاد الأزمة.

وهنا تكمن خطورة الدين المتراكم لصندوق التنمية الوطني. فحين تُستنزف أموال الصندوق، وتتعطل مشاريع النفط، ويتحول التضخم إلى وسيلة لإفقار الضعفاء، فإن الدولة لا تستهلك حاضر الناس فقط، بل تستهلك مستقبلهم أيضًا.

“انسداد لا يعالج بالمسكنات”

الأزمة الراهنة تكشف أن الاقتصاد الإيراني استنفد أدوات التأجيل. فديون بقيمة 127 مليار دولار لصندوق التنمية الوطني لا يمكن إخفاؤها بشعارات سياسية. وعجز شركة النفط الوطنية عن الوفاء بالتزاماتها لا يمكن تفسيره بالعقوبات وحدها. والتضخم الثلاثي في المناطق المحرومة لا يمكن التعامل معه كرقم عابر في تقرير حكومي.

إنها مؤشرات على انسداد أعمق: دولة عاجزة عن إدارة مواردها، وقطاع نفطي مقيد بالشلل والفساد والبيروقراطية، ومجتمع يدفع ثمن سياسات لم يقررها، واقتصاد تتحول فيه الأزمة إلى مصدر ربح للمافيات والاحتكارات.

في النهاية، لم يعد السؤال هل يمر الاقتصاد الإيراني بأزمة، بل هل يملك النظام أدوات حقيقية للخروج منها. فكل ما يظهر حتى الآن يشير إلى العكس: الصندوق الذي كان يفترض أن يحمي المستقبل أصبح مثقلًا بالديون، وقطاع النفط الذي كان يفترض أن يمول الدولة يعاني العجز، والتضخم الذي كان يفترض أن يكون مؤقتًا تحول إلى آلة دائمة لسحق الفقراء.

إيران اليوم لا تواجه مجرد تراجع اقتصادي. إنها تواجه اقتصادًا على حافة الانسداد الكامل، حيث تلتقي ديون الدولة، وشلل النفط، والتضخم المنفلت، وفقر المجتمع في أزمة واحدة تهدد ما تبقى من العقد الاجتماعي بين السلطة والشعب.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=94852