في سياقات الأحداث التي تكتنفها الحدس ومحاولة تشخيص المشاكل بين التخمين واليقين، تفتح النوافذ على أكثر من إطلالة لإثبات الحدود في فصل التشابكات وتحليل التداخلات بين ثقافات وإعلام وتصورات. فربما أنها تكون لعبة وعلى مدى أربعة شهور عجاف من تبادل حروب وتهديدات ومفاوضات كأنما كانت اختبار معلن لحقيقة الحدث تتجدد فيها محطات التجاذب بين الطرفين الرئيسيين أمريكا وإيران، ولم يعد السؤال عن الفائز والخاسر، بل عن مدى دوام القوة والحفاظ على ولاء الحلفاء وهو برهان وامتحان صعب لكل المتحاربين. هذا الفشل في مراوحة الحرب لم يحدث تحولاً جديداً بل يتكرر بإصرار ليكشف لنا هشاشة مجريات الأمور.
مقولة عربية نستدعيها على سبيل المجاز لا الحكم تتكلم عن شيء مشابه في الظاهر ومختلف في السياق (يصلون وراء علي… ويأكلون على مائدة معاوية) وهي مقولة نشأت في ظروف مختلفة جذرياً، لكنها تلتقط حالة إنسانية أوسع وهي (الإنسان في حالة موزعاً بين أكثر من فضاء وانتماء) والذي يجبره على التوفيق بين عوالم لا تتطابق. وتحويل هذه المقولة إلى حكم أخلاقي لواقع ما يجري ولربما لهذه المقولة حاضرة لكنها تحتاج إلى قراءة ومنطق شفاف، وما يجري ويحدث في المنطقة من توترات وتصاعد في أسعار الطاقة وقلق في طبيعة الأنظمة العربية السياسية ليس سوى انعكاس لنتاج الحروب العبثية التي انعكست على طبيعة التنمية المستدامة العربية وسياقات حدود الدولة القومية العربية والأمن القومي، حيث أحدثت هذه الحروب ذات الطابع النفعي والأيديولوجي بوناً شاسعاً بين تطابق الأمة مع الدولة حيث أوجدت هذه الحرب واقعاً جديداً للعالم العربي افترضت به المشاركة بكل متطلباتها في كلفة الحرب وما خلفته من آثار نفسية في علاقة شعوب المنطقة العربية وآثارها على طبيعة الهوية والانتماء ودعوته إلى عدم التطابق.
إن مردودات هذه الحرب واختلاف سيناريوهاتها ساعد في خلق سياسات غير متوازنة لدول المنطقة العربية وأسلوب انتمائها لإيران أو الولايات المتحدة الأمريكية. إن هذا الوضع الأعرج يتوافق مع هذه المقولة القديمة الحاضرة لكنها تحتاج إلى قراءة، فبالإضافة إلى تحديد الانتماءات السياسية لأحد الطرفين تواجدت حقيقة (الجمع بين أكثر من انتماء لكي يعيش ازدواجية أخلاقية وتناقض وطني) وهو ما يحدث في سياسة النظام العراقي الذي تتوزع فيه سياسته بين الولاء لإيران والخضوع والتجاوب لسياسة أمريكا ومطالبتها، وهو الشكل الطبيعي لما يستطيب له علي الزيدي لوجود عالم تحكمه الموازنة وتوظيف سياسة (المرونة لأجل الأصلح).
إن التعلم وكيفية استيعاب الحالة من كل نواحيها وعدم الاعتماد على الخيار الواحد هو ما تتسم به سياسة الزيدي في حاضر الأمر وهي (سياسة التركيب المفتوح على الزمن والنتائج). هذه التعددية في سياق التحليل سيبقي مضمون هذه المقولة سارياً حتى تنضج أرضيات تعمل على تفعيل هذا الواقع بما يجعل المعادلة لكل الأطراف مبنية على استقرار المصالح والمنطقة العربية وطبيعة أنظمتها وقيادة وسيادة النظام الأمريكي الغربي الإسرائيلي بوتيرة واحدة، ويبقى تحديد المصير بيد الشعوب وفرص التوائم لخدمة مشاريعها الوطنية.
أ. د. طارق السامرائي / بريطانيا
