12 سبتمبر، 2026 - 3:33 مساءً
مقالات وآراء

الدكتور ضياء الصفار يكتب.. منصّة بلا دولة..العراق في قبضة الإطار: أزمة التراجع عن إدراج حزب الله والحوثيين وانكشاف وهم السيادة

الدكتور ضياء الصفار

لم تكن أزمة التراجع العراقي عن إدراج حزب الله اللبناني وجماعة الحوثي ضمن قوائم الإرهاب أزمة قانونية ولا “سوء فهم إداري”، كما حاولت الحكومة أن تُسوق عبر بيانات مرتبكة.

فقد كانت الأزمة في جوهرها كشفاً فاضحاً لوهم الدولة في العراق، وإثباتاً عملياً أن ما يُسمى بالحكومة ليس سوى سلطة خاضعة، تعمل كـ“وحدة ارتباط” سياسية تابعة لـ الإطار التنسيقي الذي يأخذ توجيهاته من طهران بلا نقاش ولا مراوغة.

فالعراق اليوم لا يمتلك مشروع دولة، ولا رؤية وطنية، ولا قراراً مستقلاً ..ما يوجد هو حكومات تتعاقب على إدارة الفشل ذاته، وتتنافس في مستوى الخضوع ذاته، بينما يتولى الإطار ـ بتركيبته الفصائلية ـ هندسة القرار بما ينسجم مع استراتيجية إيران في المنطقة، حتى لو كان الثمن هو نسف مكانة العراق وتوريطه في عزلة دولية قاتمة.

منذ اللحظة الأولى لصدور قرار الإدراج، ظهرت علامات الذعر على مراكز القوة داخل العراق ، فحزب الله والحوثيون ليسوا مجرد تنظيمات بعيدة بل هما جزء من بنية الولاء التي يقوم عليها الإطار، وعمق استراتيجي للفصائل التي تدّعي أنها “قوى وطنية” !!؟ولذلك جاء الرد داخلياً كالعاصفة تمثل ببيانات غاضبة، تهديدات مبطنة، واستنفار فصائلي تطلب من الحكومة “تصحيح خطأها فوراً”.

الحكومة التي ليست سوى موظف إداري في نظام يديره السلاح رضخت خلال ساعات وبتراجع فاضح ذليل مخزي ، وعاد القرار أدراج الرياح، لا لأنّ هناك مراجعة قانونية، بل لأنّ المركز الحقيقي للسلطة قال كلمته: ممنوع الاقتراب من حلفاء إيران ،بهذا المعنى، لم يكن التراجع تراجعاً فقط عن قرار، بل تراجعاً عن ادعاء الحكومة نفسها.

منذ 2003 وحتى اليوم، لا وجود لما يمكن تسميته “مشروع بناء دولة” في العراق ، وأنما كل ماجرى هو :
•حكومات تُصنع في غرف الإطار.
•وزارات تُوزع كحصص.
•مؤسسات تُدار بعقلية الغنيمة.
•قرارات تُرسل إلى الخارج للموافقة.
•سيادة تُختصر بمقدار ما تسمح به الفصائل المسلحة.

النتيجة أن العراق لا يمتلك قدرة على اتخاذ قرار خارجي مستقل حتى في المسائل البسيطة، فكيف في قضية بحجم تصنيف تنظيمات مدعومة إيرانياً؟

حين صدرت قائمة الإرهاب، تصرفت الحكومة كما لو أنها مارست “حريتها” للحظة… ثم تمّت معاقبتها على هذا الوهم فوراً !! ولكن السؤال هو ( ماذا لو أقدمت الحكومة على إلغاء القرار رسمياً )؟
إذا أصرّت الحكومة على إلغاء القرار بشكل واضح ونهائي وهو أمر متوقع بحكم الخضوع المطلق للإطار وفصائله المسلحة فإنّ الاتجاه سيكون كالآتي:

1. تثبيت العراق كجزء من محور إيران بلا رتوش
الإلغاء الرسمي سيُفهم دولياً على أنّ العراق تخلّى عن أي محاولة للتميّز وقرر الاصطفاف الكامل مع طهران وأذرعها (حزب الله، الحوثيون، الفصائل العراقية المسلحة).

وبذلك سيخسر ما تبقى من صورته كدولة تحاول لعب دور متوازن.
2. تقليص التعاون الدولي وتصاعد العزلة

قد لا يُصنف العراق فوراً “دولة راعية للإرهاب”، لكن من المؤكد أنه سيتقدم خطوات واسعة نحو خانة الدول غير المتعاونة.وهذا التصنيف وحده كفيل بتجميد استثمارات، وتعقيد التحويلات المصرفية، وربما دفع الولايات المتحدة والخليج العربي لإجراءات أقسى تجاه المؤسسات المالية العراقية.
3. تعزيز سلطة السلاح وإضعاف ما تبقى من الحكومة

الإلغاء النهائي سيُقرأ داخلياً على أنه انتصار مطلق للفصائل، مما يعني مزيداً من التوسع في نفوذها، وتقليص المجال المتاح للحكومة الشكلية.وعندها لن يصبح السؤال: “هل تتجه البوصلة نحو إيران؟” بل يصبح: هل بقيت بوصلة أصلاً بيد الحكومة ؟

ما جرى في أزمة إدراج حزب الله والحوثيين ضمن قوائم الأرهاب لم يكن شأناً خارجياً ولا خلافاً إدارياً ، بل كان نقطة انكشاف العراق لا يُدار كدولة، بل كمنصة نفوذ تُحركها إرادة الإطار، والإطار يُحركه عمق إقليمي واحد وهو النظام الإيراني، وكل حكومة تأتي، لا لتبني دولة، بل لتقدم خدمة سياسية لهذا المحور، مهما كان الثمن على الشعب، وعلى الاقتصاد، وعلى مكانة العراق الدولية.

ومادامت هذه البنية قائمة، فإنّ أي قرار سيادي سيبقى قراراً معلّقاً..يُطلق في بغداد ، ويُلغى في مكان آخر(طهران).

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=88813