10 سبتمبر، 2026 - 1:41 صباحًا
مقالات وآراء

بين منطق الثورة ومنطق الدولة.. كيف ننتقل من التغيير إلى البناء؟

بقلم/ضياء الصفار

safar

ثمة سؤال ظل يرافق الحركات والأحزاب الثورية والقومية منذ أن انتقلت من موقع المعارضة والنضال إلى موقع السلطة والمسؤولية: كيف يمكن التوفيق بين منطق الثورة ومنطق الدولة؟

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى وكأنه يضعنا أمام خيارين متعارضين وهما الثورة بما تمثله من تغيير ورفض للواقع القائم، والدولة بما تمثله من استقرار ومؤسسات وقانون واستمرارية. لكن التأمل الأعمق يكشف أن التعارض ليس بين الثورة والدولة في ذاتهما، وإنما بين منطقين في إدارة المرحلة: منطق التغيير الذي يقتضي أحياناً تجاوز الواقع القائم، ومنطق الدولة الذي يقتضي بناء واقع جديد قابل للاستمرار ، فالذين يصنعون التغيير لا يستطيعون أن يبقوا إلى الأبد في حالة الثورة لأن الثورة تهدم ما لم يعد صالحاً، بينما الدولة مطالبة بأن تبني ما يجب أن يستمر.وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.

الثورة، في معناها السياسي والتاريخي، تنشأ عادةً من رفض واقع أصبح عاجزاً عن الاستجابة لطموحات المجتمع. ولذلك تحمل معها طاقة هائلة من الحماس والتعبئة والتضحية والرغبة في التغيير ، لكن هذه الطاقة التي تكون ضرورية في مرحلة النضال قد تصبح عبئاً إذا استمرت بالآليات ذاتها بعد قيام الدولة ، فالعمل الثوري يقوم على التعبئة والمواجهة والحسم، بينما العمل الحكومي يقوم على التخطيط والإدارة والتدرج والموازنة بين المصالح وتطبيق القانون.ولهذا فإن النجاح الحقيقي للثورة لا يقاس فقط بقدرتها على إسقاط الواقع القديم، وإنما بأنتقالها من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة وبقدرتها على إقامة واقع جديد أفضل منه ، وهذه النقلة هي أصعب مراحل التجربة كلها.

عندما تنجح حركة ثورية أو وطنية في الوصول إلى السلطة، فإنها تواجه سؤالاً جديداً هو من أين تستمد الدولة شرعيتها، وكيف تستمر؟ هنا يجب أن تنتقل الشرعية من مجرد شرعية الإنجاز الثوري إلى شرعية الدستور والقانون والمؤسسات والإنجاز الوطني ، فلا يكفي أن تقول السلطة نحن أصحاب الثورة ، بل ينبغي أن تقول نحن أصحاب مشروع دولة ، وهذا يعني أن المبادئ التي رفعتها الثورة يجب أن تتحول إلى مؤسسات وسياسات وتشريعات.
فالعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص لا تبقى شعاراً، بل تصبح نظاماً اقتصادياً واجتماعياً عادلاً. والاستقلال الوطني لا يبقى خطاباً سياسياً، بل يصبح سياسة دولة. ومكافحة الفساد لا تكون مجرد حملة على أفراد، بل نظاماً متكاملاً للرقابة والمساءلة ، والمساواة بين المواطنين لا تكون شعاراً، بل قاعدة دستورية وقانونية لا يستثنى منها أحد.
عندها فقط تنتقل الثورة من الخطاب إلى المؤسسة.
المشكلة لا تكمن في الاحتفاظ بروح الثورة وقيمها، بل في استمرار أدواتها وعقلها الاستثنائي بعد انتهاء الظروف التي أنتجتها. فالدولة لا يمكن أن تُدار بمنطق الخصومة الدائمة، ولا بمنطق التخوين، ولا بمنطق أن كل اختلاف يمثل مؤامرة، ولا بمنطق أن الاستثناء يمكن أن يصبح قاعدة.
الدولة الحديثة تحتاج إلى مواطن، لا إلى تابع ،وإلى مؤسسات، لا إلى ردود أفعال ، وإلى قضاء مستقل، لا إلى أحكام سياسية ، وإلى قانون يسري على الجميع دون تمييز.
وهنا يصبح سيادة القانون أحد أهم الجسور بين الروح الثورية والدولة الحديثة. فالعدالة التي نطالب بها للثورة يجب أن تصبح عدالة للجميع، والحرية التي نطالب بها لأنفسنا يجب أن تصبح حقاً لكل مواطن، والقانون الذي نحتج به على خصومنا يجب أن نقبل به عندما يطبق علينا.
لكن الانتقال إلى الدولة لا يعني التخلي عن المبادئ التي صنعت الثورة ، على العكس ، الدولة التي تفقد روح التغيير تتحول إلى جهاز بيروقراطي يحافظ على الواقع مهما كان فاسداً، بينما الدولة التي تحتفظ بروح الثورة تستطيع أن تجعل التغيير عملية مستمرة ولكن من خلال المؤسسات.
وهنا ربما تكمن الصيغة الصحيحة ، وهي أن نحافظ على روح الثورة، ونغيّر أدواتها ، نحافظ على قيم الاستقلال والكرامة والعدالة والوحدة والتقدم، ولكن نحققها من خلال الدولة والقانون والمؤسسات، لا من خلال التعبئة الدائمة والصراع المفتوح ، وبعبارة أخرى .. ننتقل من الثورة على الدولة إلى الثورة من خلال الدولة.

وهذه المسألة أكثر أهمية بالنسبة إلى التيارات القومية تحديداً. فالحركة القومية العربية نشأت في ظروف تاريخية اتسمت بالاستعمار والتجزئة والاحتلال والتخلف، ولذلك كان من الطبيعي أن تتشكل لديها ثقافة سياسية تقوم على التحرر والمواجهة والتعبئة. لكن الظروف تتغير، والأفكار الحية هي التي تستطيع أن تتفاعل مع تغير التاريخ دون أن تتخلى عن جوهرها.
لقد أصبح المطلوب اليوم ليس فقط تحرير الإنسان العربي من التبعية والتخلف، وإنما بناء دولة عربية حديثة، قوية، عادلة، ذات سيادة، تحترم مواطنيها وتحمي حقوقهم وتستند إلى مؤسسات راسخة. فالقومية التي لا تنتج دولة قوية تبقى فكرة، والدولة التي لا تحمل مشروعاً حضارياً تتحول إلى إدارة للواقع.
ومن هنا فإن التحدي أمام الفكر القومي ليس الاختيار بين القومية والدولة الوطنية، وإنما إعادة صياغة العلاقة بينهما: دولة وطنية قوية تكون لبنة في مشروع عربي أوسع، لا ساحة صراع داخلي، ولا أداة للتجزئة أو التبعية.
الدولة القوية ليست نقيض الثورة وليست التي تخيف مواطنيها، وإنما التي تجعلهم يثقون بقانونها ومؤسساتها. وليست التي تمنع الاختلاف، وإنما التي تستطيع إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع يهدم الوطن.

ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في مفهوم الشرعية السياسية لدى التيارات الثورية والقومية. ولا ينبغي أن تبقى شرعية الماضي هي المصدر الوحيد للشرعية في الحاضر ،فالتاريخ يُحترم، والتضحيات تُصان، والمنجزات لا تُنكر، ولكن المستقبل لا يُدار بأمجاد الماضي وحدها.
إن الشرعية الجديدة ينبغي أن تُبنى على قدرة المشروع على تحقيق التنمية، وبناء الأنسان ، وحماية السيادة، وإقامة العدل، وصيانة الحريات والحقوق، ومحاربة الفساد، وبناء المؤسسات، وتحقيق الأمن والاستقرار ، فالناس لا يعيشون في التاريخ وحده؛ إنهم يعيشون في الحاضر وينظرون إلى المستقبل.

إن التوفيق بين منطق الثورة ومنطق الدولة ليس تنازلاً من الثورة عن مبادئها، ولا انتصاراً للدولة على الثورة ،إنه مرحلة نضج في التجربة السياسية ،الثورة تمنح المشروع قوة الدفع، والدولة تمنحه الاستمرار؛ الثورة تفتح الطريق، والدولة تبني الطريق؛ الثورة تطرح سؤال التغيير، والدولة تجيب عنه بالإنجاز والمؤسسات.

ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام التيارات القومية والوطنية اليوم ليس أن تبقى ثورية بالمعنى القديم، ولا أن تتحول إلى مجرد سلطة محافظة على الأمر الواقع، وإنما أن تنتقل من ثقافة الثورة إلى ثقافة بناء الدولة، من دون أن تفقد روح التغيير.
فإذا كانت الثورة تقول: هذا الواقع لم يعد مقبولاً، فإن الدولة الوطنية الحديثة يجب أن تجيب: وهذا هو البديل الذي سنبنيه ،وهنا تبدأ الثورة الحقيقية: حين يتحول الحلم إلى دولة، والفكرة إلى مؤسسة، والشعار إلى إنجاز، والتضحية إلى مستقبل.

8 / أيلول / 2026

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=95436