حزنتُ لكلماتٍ أبكتني، كتبها العقل والمفكر والكاتب العراقي زيدي الحلي، وهو يواجه سؤال الملل في خاطرةٍ بعنوان: «هل يمل الإنسان من نفسه؟». سؤالٌ يبدو عابرًا، لكنه في الحقيقة يلامس واحدةً من أكثر مناطق الوجود الإنساني قلقًا: ماذا يحدث للإنسان حين تتحول حياته إلى تكرارٍ لا يضيف إليه شيئًا؟
تغادر الأيام، بينما يبقى الإنسان في المكان ذاته ، الوجوه نفسها، العادات نفسها، الطرق نفسها، وحتى الأحلام قد تتحول، مع كثرة التكرار، إلى نوعٍ من العادة.
ولذلك تبدو عبارته شديدة الدلالة: إننا لا نمل من الحياة بقدر ما نمل من النسخة التي نكررها كل يوم.
وهنا يبدأ السؤال الأهم: هل الملل صادرٌ عن الحياة نفسها، أم عن الطريقة التي نعيش بها الحياة؟
عند هذه النقطة تلتقي الخاطرة بالفلسفة الوجودية.
فـجان بول سارتر يضع الإنسان أمام حقيقةٍ لا يستطيع الإفلات منها: إنه كائنٌ يختار، ومسؤول عن اختياراته، حتى حين يحاول أن يتنصل منها. فالحرية ليست امتيازًا مريحًا دائمًا، إنها عبء أيضًا، لأن الإنسان لا يستطيع أن يلقي مسؤولية وجوده كاملةً على الآخرين.
ولعل جانبًا من الملل الذي يصيبنا يأتي من محاولتنا الدائمة للهروب من هذه الحرية.
نحن نكرر ما اعتدناه لأنه أقل كلفةً من أن نسأل أنفسنا: ماذا أريد؟ من أكون؟ وهل هذه الحياة التي أعيشها هي فعلًا حياتي، أم أنها الحياة التي تعلّمت أن أؤديها إرضاءً للآخرين أو خوفًا من مخالفتهم؟
من هنا يمكن النظر إلى الروتين لا باعتباره تكرارًا للأفعال فحسب، بل باعتباره أحيانًا هروبًا من مسؤولية الاختيار.
وهنا تكتسب أفكار إريك فروم أهميتها. فالإنسان قد يطلب الحرية، لكنه حين يحصل عليها يشعر بالخوف أمام اتساعها، فيبحث عن سلطةٍ أو جماعةٍ أو عادةٍ يتكئ عليها، كي لا يبقى وحيدًا في مواجهة نفسه.
لكن فروم لا يكتفي بالتحرر من القيود، فهو يميز بين الحرية التي تحرر الإنسان من شيء، والحرية التي تمكنه من أن يكون ذاته، وأن يحب ويبدع ويتصل بالآخرين من دون أن يفقد استقلاله.
وهنا تحديدًا يدخل الحب إلى المسألة، لا بوصفه عاطفةً رومانسية فحسب، بل بوصفه موقفًا من الوجود.
الحب عند فروم ليس امتلاكًا للآخر، ولا ذوبانًا فيه، وإنما قدرة على العطاء والرعاية والاحترام والمعرفة. ولهذا فإن الحب الناضج لا يلغي الحرية، بل يحميها.
أن أحبك لا يعني أن أمتلكك، كما أن حبك لي لا يعني أن تتخلى عن ذاتك من أجلي.
الحب الحقيقي هو أن يلتقي اثنان من دون أن يتحول أحدهما إلى سجنٍ للآخر.
ومن هنا يصبح الحب تحررًا من الوحدة، لا سقوطًا في عبودية الآخر.
ولعل هذا هو المعنى الذي نفتقده حين نحاول مواجهة الملل بالضجيج وحده. فنبحث عن السفر، والمغامرة، وتغيير الأماكن، وتبديل الوجوه، بينما قد يكون ما نحتاج إليه في الحقيقة هو تغيير علاقتنا بالعالم وبأنفسنا.
فالإنسان الذي يحب يرى الأشياء بعينٍ أخرى.
الوجه الذي كان عاديًا يصبح ذاكرة.
والصباح الذي كان يتكرر يصبح فرصة.
والطريق الذي كان مجرد طريق يصبح مكانًا يحمل أثرًا.
الحب لا يغير العالم من حولنا فحسب ، بل إنه يعيد ترتيب العالم في داخلنا.
وهنا يصبح الفكر طريقًا إلى الوجدان.
الفلسفة تسأل عن معنى الوجود، والحب يمنح هذا السؤال تجربةً إنسانية. فأن أحب يعني أن وجودي لم يعد منعزلًا تمامًا عن وجود آخر، وأن أكون مسؤولًا عن أثر وجودي في حياة شخصٍ آخر.
ولذلك ربما كان الحب واحدًا من أكثر أشكال مقاومة العبث جمالًا.
عند ألبير كامو لا يأتي معنى الحياة إلينا مكتملًا من الخارج، ولا يقدم العالم إجابةً نهائية عن أسئلتنا. لكن الإنسان يستطيع أن يتمرد على العبث بأن يعيش، وأن يخلق، وأن يمنح وجوده قيمةً رغم غياب الإجابة النهائية.
ومن أجمل صور هذا التمرد أن نختار المحبة في عالمٍ يستطيع أن يدفعنا إلى القسوة.
أن تمنح حين يكون المنطق السائد هو الأخذ، وأن تصغي حين يعلو الصراخ، وأن ترى الإنسان في الآخر قبل أن ترى اختلافه ،كل ذلك فعل اختيار.
والاختيار هو جوهر الحرية.
لذلك ليست الحرية مجرد كثرة الأبواب.
الحرية أن نمتلك البصيرة التي تجعلنا نعرف أي بابٍ يستحق أن نفتحه.
وهنا يلتقي سارتر بفروم، ويلتقي الفكر بالوجدان.
فسارتر يضعنا أمام مسؤولية الحرية، وفروم يسألنا كيف نستخدمها دون أن نهرب منها، وكامو يذكرنا بأن علينا أن نصنع معنىً حتى عندما لا نجد معنىً جاهزًا.
أما هايدغر، فيعيدنا إلى علاقتنا بالزمن ،ذلك الزمن الذي لا نستطيع إيقافه، والذي يجعل وجودنا محدودًا ومؤقتًا.
نحن لا نملك الأيام، نحن نعبر فيها.
ولهذا فالسؤال الحقيقي ليس: كم بقي من حياتنا؟ بل: ماذا فعلنا بالحياة التي بقيت لنا؟
ربما يكون الملل، في هذه الحالة، ليس عدوًا دائمًا، بل إنذارًا للروح.
إنه يخبرنا بأن شيئًا ما في حياتنا لم يعد يشبهنا.
أننا نكرر أكثر مما نكتشف.
نؤدي أكثر مما نختار.
ونعيش أحيانًا وفق صورةٍ عن أنفسنا صنعها الآخرون ثم صدقناها نحن.
وعندما يصبح الملل عميقًا، ربما لا نحتاج إلى تغيير العالم، بل إلى تغيير علاقتنا به.
نحتاج إلى أن نستعيد حقنا في السؤال، وفي الاختيار، وفي الحب.
لهذا أقول: ابدؤوا بالحب.
ليس لأن الحب حلٌّ سحري لمشكلات الحياة، وإنما لأنه يعيد الإنسان إلى إنسانيته، ويمنحه سببًا لكي يرى في وجود الآخر قيمةً تتجاوز المنفعة.
الحب لا يحررنا من مسؤولية الحياة، بل يجعلنا أكثر قدرةً على حملها.
ومن هنا أفهم عنواني: الحب: الهروب نحو الحرية.
إنه ليس هروبًا من الآخر، بل هروبٌ من النسخة الجامدة التي صنعناها عن أنفسنا.
هروبٌ من التكرار إلى الاكتشاف، ومن اللامبالاة إلى المشاركة، ومن العزلة إلى اللقاء، ومن حياةٍ نؤديها بحكم العادة إلى حياةٍ نختارها بوعي.
وحين يسكن الحب عالم الفكر، يصبح الفكر أكثر إنسانية. وحين يدخل الفكر عالم الحب، يتحول الحب من انفعالٍ عابر إلى وعيٍ بالآخر وبالذات.
عندها لا تعود الحياة مجرد عبورٍ بين الأيام، بل تصبح صناعةً متواصلة للمعنى:
من المحبة نصنع حرية،
ومن الحرية نصنع مسؤولية،
ومن المسؤولية نصنع معنى،
ومن المعنى نصنع حياة.
وربما أجمل ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يغادره الملل قبل أن تغادره الحيا، لأن الروح حين تجد في الفكر محبة، وفي المحبة معنى، لا تعود بحاجةٍ إلى الضجيج كي تثبت لنفسها أنها حيّة.
شكرًا لك، أستاذ زيد الأعز، لأن سؤالك عن الملل لم يكن سؤالًا عن الملل وحده ، كان سؤالًا عن الإنسان، وعن الزمن، وعن الحرية، وعن تلك المسافة الغامضة بين أن نستمر في الحياة وأن نعيشها حقًا.
ودامت مساحاتكم الفكرية أبوابًا نطرقها، لا بحثًا عن إجابةٍ نهائية، فربما لا توجد إجابات نهائية للأسئلة الكبرى، وإنما بحثًا عن حريةٍ أجمل، ووجدانٍ أكثر اتساعًا، وحبٍّ يمنح وجودنا معنى، وحياةٍ لا نكتفي بعبورها، بل نختار أن نعيشها.
