24 يوليو، 2026 - 11:54 صباحًا
سليدرمقالات وآراء

«عندما تصمت الأحلاف… تنطق المصالح».. قراءة في حلف بغداد وحدود الالتزام في العلاقات الدولية

د. باهرة الشيخلي

«عندما تصمت الأحلاف… تنطق المصالح»

في أحد الحوارات حول انضمام العراق إلى حلف بغداد عام 1955، طُرح سؤال بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه يفتح بابًا واسعًا لفهم طبيعة العلاقات الدولية:

إذا كان العراق عضوًا في حلف عسكري، فلماذا لم يمنع ذلك الحلف ما جرى في ثورة 14 تموز 1958، التي انتهت بسقوط النظام الملكي ومقتل الملك فيصل الثاني والأمير عبد الإله ورئيس الوزراء نوري السعيد؟

ذلك السؤال أعاد إلى الذاكرة المقولة الشهيرة لرئيس الوزراء البريطاني اللورد بالمرستون:

“ليس للدول أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، وإنما لها مصالح دائمة.”

ولعلها تختصر فلسفة السياسة الدولية أكثر من أي كتاب.

ويصدق عليها أيضًا القول:

“قد تُوقَّع المعاهدات بالحبر، لكن الالتزام بها يُكتب بالمصالح.”

1️⃣ حلف بغداد… بين الطموح والواقع

تأسس حلف بغداد في الرابع والعشرين من شباط عام 1955، في ذروة الحرب الباردة، ليكون أحد الأحلاف التي سعت الدول الغربية من خلالها إلى احتواء النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط.

بدأ الحلف بالعراق وتركيا، ثم انضمت إليه بريطانيا وإيران وباكستان، فيما قدمت الولايات المتحدة دعمًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا، رغم أنها لم تكن عضوًا رسميًا عند تأسيسه.

ورأت الحكومة العراقية آنذاك، بقيادة نوري السعيد والملك فيصل الثاني، أن الانضمام إلى الحلف سيحقق جملة من الأهداف، في مقدمتها تعزيز الأمن الوطني، والحصول على الدعم العسكري والاقتصادي، وتوثيق العلاقات مع الغرب.

غير أن الحلف واجه منذ ولادته معارضة داخلية وعربية واسعة، إذ اعتبره كثيرون امتدادًا للنفوذ البريطاني، بينما رأى الرئيس المصري جمال عبد الناصر أنه أداة لتكريس الانقسام العربي وخدمة السياسات الغربية.

2️⃣ عندما تغيّرت المصالح

لكن الاختبار الحقيقي للأحلاف لا يكون عند توقيع الاتفاقيات، بل عندما تواجه إحدى الدول الأعضاء أزمة وجودية.

وهذا ما حدث في العراق عام 1958.

فعندما اندلعت ثورة الرابع عشر من تموز وسقط النظام الملكي، لم يتدخل الحلف عسكريًا لإنقاذ أحد أهم أعضائه.

ويذهب عدد من المؤرخين إلى أن ذلك لم يكن تقصيرًا بقدر ما كان انعكاسًا لطبيعة الحلف نفسه، إذ أُنشئ لمواجهة التهديدات الخارجية، لا للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء.

ومع ذلك، بقيت تلك الواقعة تطرح سؤالًا مشروعًا:

إلى أي مدى تستطيع الأحلاف حماية حلفائها عندما تتعارض تلك الحماية مع حسابات المصالح الدولية؟

وبعد عام واحد فقط، أعلن العراق انسحابه رسميًا من الحلف عام 1959، ليتحول اسمه لاحقًا إلى حلف المعاهدة المركزية (CENTO)، قبل أن ينهار نهائيًا عام 1979 عقب انسحاب إيران بعد الثورة الإسلامية.

3️⃣ التاريخ يكرر السؤال

ولم يكن هذا المثال الوحيد.

فقد ارتبط العراق لاحقًا بمعاهدة صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفيتي، ثم احتفظ بعلاقات وثيقة مع روسيا، لكن تلك الاتفاقيات لم تتحول دائمًا إلى تدخل مباشر كلما واجه العراق أزمة.

وهذا يؤكد أن اتفاقيات الصداقة ليست ضمانة تلقائية للتدخل العسكري، وإنما تبقى رهينة الحسابات السياسية لكل دولة.

ولعل هذا السؤال يكتسب اليوم أهميةً أكبر من أي وقت مضى، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، حيث تتبدل التحالفات، وتُعاد صياغة موازين القوى، وتصبح المصلحة الوطنية البوصلة التي توجه القرار السياسي، مهما بلغت قوة الشعارات أو عمق العلاقات التاريخية. ففي عالم يتغير بسرعة، لم تعد قيمة أي تحالف تُقاس بما يُكتب في نصوص المعاهدات، بل بمدى توافقه المستمر مع مصالح أطرافه وقدرتهم على تحمّل كلفة الوفاء بالتزاماتهم.

وفي الخليج العربي يبرز نموذج آخر.

فعلى الرغم من الروابط الوثيقة التي تجمع دول مجلس التعاون الخليجي، وما يتيحه المجلس من أطر للتنسيق الأمني والسياسي، فإن الهجمات التي تعرضت لها المملكة العربية السعودية من قبل جماعة الحوثي دفعت كثيرين إلى إعادة طرح السؤال ذاته.

لقد صدر الدعم السياسي، وقُدمت أشكال متعددة من المساندة، لكن طبيعة الاستجابة بقيت مرتبطة بقرار كل دولة، وبما تراه منسجمًا مع مصالحها الوطنية وإمكاناتها، أكثر من ارتباطها بالصفة الجماعية للتحالف.

4️⃣ ما الذي تعلمه لنا الأحلاف؟

هذه الوقائع لا تعني أن الأحلاف عديمة القيمة.

فهي قد تحقق ردعًا سياسيًا، أو تنسيقًا أمنيًا، أو تعاونًا اقتصاديًا، وقد تمنح الدول مساحة أوسع للحركة الدبلوماسية.

غير أن التاريخ يبين أن قيمتها ليست مطلقة، وأنها لا تُلغي حقيقة ثابتة في العلاقات الدولية:

الدول تتخذ قراراتها في النهاية وفقًا لمصالحها الوطنية أولًا.

ولهذا فإن الدولة التي تعتمد على قوة الآخرين أكثر مما تعتمد على قوتها الذاتية قد تجد نفسها، في لحظة التحول الكبرى، وحيدة أمام اختبار المصير.

أما الدولة التي تبني أمنها على تماسك مجتمعها، وقوة مؤسساتها، وكفاءة جيشها، واستقلال قرارها الوطني، فإنها تمتلك الضمانة الأكثر ثباتًا، مهما تبدلت التحالفات وتغيرت موازين القوى.

⏺️ الخاتمة

ربما لا يقول التاريخ إن الأحلاف بلا قيمة، لكنه يقول بوضوح:

“الدولة التي تعتمد على غيرها أكثر مما تعتمد على نفسها قد تدفع الثمن عندما تتغير المصالح.”

فالمعاهدات تُوقَّع بالأقلام، أما الوفاء بها فيُكتب بميزان المصالح.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمام القارئ:

هل تكفي الأحلاف لحماية الأوطان، أم أن التاريخ أثبت أن الدول لا يحميها ـ بعد الله ـ إلا تماسكها الداخلي، وقوتها الذاتية، وأن التحالفات ليست سوى أدوات تتغير قيمتها بتغير المصالح؟

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93936