6 يوليو، 2026 - 3:49 مساءً
مقالات وآراء

مِنْ دَفْتَرِ الذِّكْرَيَات (3)..تَحْتَ ظِلِّ الوُحُوشِ الحَدِيدِيَّة

بقلم/ الدكتور عبدالرحيم الشويلي

 

كمِنْ دَفْتَرِ الذِّكْرَيَات (3)..تَحْتَ ظِلِّ الوُحُوشِ الحَدِيدِيَّةانَ ظُهْرُ بَغْدَادَ فِي أَحَدِ أَيَّامِ مَايِسَ مِنْ عَامِ 2003م، مُثْقَلًا بِالدُّخَانِ وَالخَوْفِ وَرَائِحَةِ الوَطَنِ الجَرِيح.

كَانَتِ الشَّوَارِعُ تَبْدُو كَأَنَّهَا خَرَجَتْ قَبْلَ قَلِيلٍ مِنْ حَرِيقٍ هَائِلٍ، وَكَأَنَّ الجُدْرَانَ نَفْسَهَا مَا زَالَتْ تَرْتَجِفُ مِنْ هَوْلِ مَا رَأَتْ. أَمَّا السَّمَاءُ، فَكَانَتْ مُغَطَّاةً بِغُبَارٍ رَمَادِيٍّ خَانِقٍ، يَحْجُبُ زُرْقَتَهَا وَيَسْرِقُ مِنَ النَّهَارِ ضَوْءَهُ.

كُنْتُ أَسِيرُ فِي سَاحَةِ التَّحْرِيرِ، وَالعَاصِمَةُ الحَبِيبَةُ بَغْدَادُ تَبْدُو كَأَنَّهَا خَرَجَتْ تَوًّا مِنْ قَبْرٍ مُحْتَرِق.

وُجُوهُ النَّاسِ شَاحِبَةٌ، وَالعُيُونُ مُتْعَبَةٌ، وَالصَّمْتُ أَكْثَرُ ضَجِيجًا مِنْ أَصْوَاتِ الانْفِجَارَاتِ البَعِيدَةِ.

كَانَ الخَوْفُ يَمْشِي مَعَنَا فِي الطَّرِيقِ، يَتَسَلَّلُ إِلَى الخُطُوَاتِ وَالنَّظَرَاتِ وَحَتَّى إِلَى طَرِيقَةِ التَّنَفُّسِ.

فَوْقَ رُؤُوسِنَا كَانَتْ طَائِرَاتُ الأُوبَاتْشِي تَحُومُ عَلَى عُلُوٍّ مُنْخَفِضٍ، كَوُحُوشٍ حَدِيدِيَّةٍ جَائِعَةٍ، تَبْحَثُ عَنْ رُعْبٍ جَدِيدٍ تُلْقِيهِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ.

كَانَ صَوْتُهَا يُشْبِهُ زَئِيرَ وَحْشٍ مَعْدَنِيٍّ هَائِلٍ، يَخْتَرِقُ الرُّوحَ قَبْلَ الأُذُنِ، وَيَجْعَلُ الأَطْفَالَ يَلْتَصِقُونَ بِأُمَّهَاتِهِمْ كَأَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ آخِرِ مَلَاذٍ آمِنٍ فِي هَذَا الجَحِيمِ.

وَفَجْأَةً، أَخْرَجَ جُنْدِيٌّ أَمْرِيكِيٌّ حَقِيرٌ رِجْلَهُ مِنَ الطَّائِرَةِ، وَأَخَذَ يَصْرُخُ بِهَسْتِيرِيَّةٍ مُقْزِزَة:

«أَنْتُمْ الآنَ تَحْتَ قَدَمِي».

كَانَ يَصْرُخُ بِتَعَالٍ مُرْعِبٍ، وَكَأَنَّهُ لَا يَرَى أَمَامَهُ بَشَرًا، بَلْ كَائِنَاتٍ مَهْزُومَةً يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَدُوسَ كَرَامَتَهَا كَمَا يَشَاءُ.

لَمْ أَرَ فِي حَيَاتِي كُلِّهَا وَجْهًا لِلْغَزْوِ أَكْثَرَ وَحْشِيَّةً وَاحْتِقَارًا لِكَرَامَةِ البَشَرِ مِنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ.

شَعَرْتُ يَوْمَهَا أَنَّ بَغْدَادَ لَمْ تَكُنْ تُحْتَلُّ بِالسِّلَاحِ فَقَط، بَلْ كَانُوا يُحَاوِلُونَ دَهْسَ رُوحِهَا وَتَارِيخِهَا وَكِبْرِيَاءَ أَهْلِهَا.

كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَجْعَلُوا مِنْ مَدِينَةِ الرَّشِيدِ وَالمُتَنَبِّي وَدِجْلَةَ العَظِيمِ مُجَرَّدَ مَدِينَةٍ مَكْسُورَةِ الرُّوحِ، تَخَافُ حَتَّى مِنْ ذَاكِرَتِهَا.

وَلَكِنَّ بَغْدَادَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، كَانَتْ تُخْفِي فِي جُرْحِهَا كِبْرِيَاءً عَجِيبًا، كِبْرِيَاءَ المُدُنِ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لِلغَزْوِ مِئَاتِ المَرَّاتِ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَمُتْ أَبَدًا.

وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، لَمْ يَسْقُطْ مِنْ قَلْبِي مَقْتِي لِأُولَئِكَ القَتَلَةِ الَّذِينَ جَاؤُوا يَحْمِلُونَ المَوْتَ وَيُسَمُّونَهُ حُرِّيَّة.

كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ عَنِ الحُقُوقِ وَهُمْ يَحْمِلُونَ الدَّبَّابَاتِ، وَيَتَغَنَّوْنَ بِالإِنْسَانِيَّةِ وَأَيْدِيهِمْ مُلَطَّخَةٌ بِرَمَادِ المُدُنِ وَدِمَاءِ الأَبْرِيَاءِ.

وَإِلَى اليَوْمِ، كُلَّمَا سَمِعْتُ صَوْتَ مِرْوَحَةٍ فِي السَّمَاءِ، يَعُودُ ذَلِكَ الظُّهْرُ البَغْدَادِيُّ إِلَيَّ بِكُلِّ دُخَانِهِ وَقَهْرِهِ وَرَائِحَةِ الوَطَنِ الجَرِيح.

د. عبد الرحيم الشويلي

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93675