8 يونيو، 2026 - 9:25 مساءً
سليدرمقالات وآراء

هل كانت المواجهة بين إسرائيل وإيران ليوم 8 يونيو 2026 حرباً حقيقية أم رسالة سياسية متعددة الأطراف؟

بقلم: حنان عبد اللطيف

حنان عبد اللطيف

في الشرق الأوسط ، لا تكون الحروب دائماً مجرد حروب ، ولا تكون التهدئات دائماً نهاية للصراعات. فكثيراً ما تتحول الصواريخ إلى رسائل سياسية ، وتصبح ساحات القتال أدوات لإعادة رسم موازين القوى وتحسين شروط التفاوض. ومن هذا المنطلق ، تثير المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وإيران أسئلة تتجاوز البعد العسكري المباشر لتأخذ أبعاداً سياسية واستراتيجية أكثر تعقيداً.

فعلى الرغم من أن المشهد بدا ظاهرياً وكأنه مواجهة مفتوحة بين خصمين لدودين ، إلا أن سرعة الانتقال من التصعيد إلى التهدئة دفعت كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت الأحداث جزءاً من عملية ضغط متبادل محسوبة أكثر من كونها حرباً تهدف إلى الحسم العسكري.

أولى القراءات المحتملة ترتبط بالملف النووي الإيراني ومسار المفاوضات المتعثر. فمع تعثر التفاهمات السياسية وتصاعد الخلافات حول شروط الاتفاقات المحتملة ، قد يكون التصعيد العسكري قد استُخدم كوسيلة ضغط غير مباشرة على طهران لإعادة ترتيب حساباتها. ووفق هذا التصور، لم تكن الضربات العسكرية غاية بحد ذاتها بل أداة سياسية لإيصال رسالة مفادها أن فشل المسار الدبلوماسي قد يفتح الباب أمام خيارات أكثر خطورة.

لكن هناك قراءة أخرى لا تقل أهمية ، ترتبط بالوضع الداخلي الأمريكي. فقد واجهت الإدارة الأمريكية ضغوطاً سياسية متزايدة من أطراف داخل الكونغرس تعارض الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط أو توسيع المواجهة مع إيران وتُعيق صلاحيات الرئيس ترامب. وفي ظل هذه الأجواء ، يصبح التدخل العسكري الأمريكي المباشر أكثر كلفة سياسياً وأكثر تعقيداً قانونياً.

ومن هنا يبرز سؤال مهم: هل وجدت واشنطن في إسرائيل وسيلة لتحقيق الضغط العسكري المطلوب دون التورط المباشر في الحرب؟

وفق هذه القراءة ، يمكن النظر إلى إسرائيل باعتبارها الذراع العسكرية الأكثر قدرة على تنفيذ عمليات تحقق أهداف الردع والضغط التي تسعى إليها الولايات المتحدة ، بينما تبقى واشنطن بعيدة عن التكاليف السياسية والعسكرية المباشرة. فبدلاً من أن تخوض الولايات المتحدة المواجهة بنفسها يمكن لحليفها الاستراتيجي أن يؤدي هذا الدور في حين تكتفي هي بإدارة المشهد سياسياً ودبلوماسياً.
إلا أن المشهد يصبح أكثر تعقيداً عند النظر إلى العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فقد ظهرت خلال مراحل مختلفة منذ بدء التصعيد في فبراير الماضي مؤشرات على وجود تباينات في الرؤية بين الرجلين بشأن كيفية إدارة بعض ملفات المنطقة ، إذ يُصّر نتنياهو على رفع التصعيد العسكري وتوسيع رقعة المواجهات في لبنان وسوريا.
ومن هنا تظهر فرضية ثالثة أكثر إثارة للاهتمام ، فقد وجّه الرئيس ترامب انتقادات وتحذيرات مباشرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن التصعيد في لبنان ، ولم يكن راضياً بالكامل عن بعض السياسات الإسرائيلية أو عن تجاهل بعض نصائحه المتعلقة بضبط التصعيد على الجبهات الإقليمية ، فهل يمكن أن تكون واشنطن قد سمحت لإسرائيل بتحمل جزء من نتائج خياراتها العسكرية عندما تعرضت للرد الإيراني؟
نحن لا نقول إن الولايات المتحدة تخلت عن إسرائيل أو وقفت ضدها ، بل نرى أن واشنطن ربما أرادت توجيه رسالة سياسية مفادها أن الدعم الأمريكي ليس دعماً مطلقاً بلا حدود ، وأن تجاهل الرؤية الأمريكية في إدارة الأزمات قد يفرض على إسرائيل مواجهة بعض التحديات الأمنية والعسكرية بصورة مباشرة.
وبهذا المعنى ، يمكن تفسير السماح بتبادل الضربات لفترة محدودة على أنه وسيلة لإعادة ضبط العلاقة بين الحليفين أكثر من كونه مؤشراً على خلاف استراتيجي عميق بينهما.
كما لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي للأزمة. فمع اندلاع المواجهة الاخيرة ارتفعت أسعار النفط والغاز بشكل ملحوظ، وقفزت أسعار العقود الآجلة للطاقة نتيجة المخاوف من اتساع رقعة الصراع في المنطقة.
إذ وصل سعر النفط الخام الأمريكي في العقود الآجلة الى 4$ اي بنسبة ارتفاع 4.21% ، إلى 94.35$ للبرميل ، بينما ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت الى 4.22 $ ، بنسبة ارتفاع 4.48% ، لتسجل 97.27$ للبرميل بحلول الساعة 07:50 بتوقيت غرينتش صباح اليوم حسب منصة إنفستينغ. بينما ارتفعت عقود الغاز الطبيعي الأمريكية إلى ما يزيد عن 3.3$ لكل مليون وحدة حرارية بريطانية ، وهو أعلى مستوى خلال أربعة أشهر.
وقد دفع ذلك البعض إلى التساؤل حول المستفيد الاقتصادي من هذه التطورات.
صحيح أن شركات الطاقة والصناعات الدفاعية قد تستفيد مؤقتاً من أجواء التوتر وعدم الاستقرار، إلا أن ذلك لا يكفي وحده لإثبات وجود خطة متعمدة لإطالة أمد الصراع لكن التاريخ السياسي والاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط يجعل مثل هذه التساؤلات حاضرة دائماً في أي نقاش يتعلق بالحروب والأزمات الإقليمية.
واللافت أن التصعيد توقف بعد اتصالات سياسية مكثفة ، وأن الأطراف المختلفة سارعت إلى إعلان وقف العمليات العسكرية أو خفضها. وهذا يوحي بأن جميع اللاعبين كانوا يدركون حدود المواجهة المقبولة ، وأن أحداً لم يكن يرغب فعلياً في الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة قد تخرج عن السيطرة.
لذلك ربما يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كانت إسرائيل وإيران عدوتين أو ما إذا كانت الولايات المتحدة منحازة بالكامل لهذا الطرف أو ذاك ، بل كيف تستخدم الولايات المتحدة الصراعات لإدارة مصالحها وتحسين مواقعها التفاوضية.
ففي عالم السياسة الدولية لا يوجد أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون ، بل مصالح دائمة. وقد تكون المواجهة الأخيرة مثالاً واضحاً على هذا الواقع ، صراع حقيقي من جهة ، ورسائل سياسية متبادلة من جهة أخرى ، وتنافس على النفوذ والمصالح من جهة ثالثة.
وفي النهاية ، تبقى كل هذه القراءات في إطار التحليل والاستنتاج السياسي ، لكن ما يبدو واضحاً هو أن ما جرى لم يكن مجرد تبادل للصواريخ بل كان أيضاً تبادلاً للرسائل بين واشنطن وتل أبيب وطهران ، وأن الهدف ربما لم يكن تحقيق نصر عسكري حاسم بقدر ما كان إعادة رسم حدود الردع وتحديد قواعد المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط.

موضوعات ذات صلة

مضيق هرمز بين حرية الملاحة ومحاولات فرض السيطرة في ضوء اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار

admin