13 سبتمبر، 2026 - 6:47 مساءً
مقالات وآراء

العراق في معادلة الخليج العربي وإيران: من ساحة صراع إلى عقدة توازن إقليمي

عبدالرزاق محمد الدليمي

في قلب التوتر المتصاعد بين امريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة اخرى تم زج دول الخليج العربي في أتون هذه الحرب التي فرضها ملالي طهران نتيجة لعوامل وظروف معقدة لاتخلوا من حقد وانتقام مبيت وهنا يأتي موقف العراق لا كمتفرج بل كأحد أهم مفاتيح المعادلة. فالصراع الذي يبدو للوهلة الأولى ثنائيًا يتكشف عند التدقيق كشبكة معقدة من التوازنات الاقليمية والدولية حيث يتحول العراق إلى نقطة ارتكاز جيوسياسية فمن ينجح في التأثير عليه يقترب من ترجيح كفة الإقليم بأكمله؟!

التقارير التي تناولتها بي بي سي نقلًا عن وول ستريت جورنال ونشرت يوم امس تضع إطارًا عامًا لخيارات الخليج العربي في مواجهة إيران لكن القراءة الأعمق تكشف أن العراق هو الميدان الحقيقي لتطبيق هذه الخيارات ونتائجها أيضًا.

أولاً: العراق… من خط تماس إلى ساحة نفوذ مركزي

منذ احتلاله نيسان 2003 لم يعد العراق دولة تقليدية في ميزان القوى بل تحوّل إلى مساحة مفتوحة لتقاطع المشاريع حيث النفوذ الإيراني الذي تجذر بعد الاحتلال سياسيًا وأمنيًا ثم انفتاح خليجي متدرج اقتصاديًا ودبلوماسيًا والاهم هو الحضور الأمريكي المتذبذب لكنه مؤثر؟؟!!
هذا التحول جعل العراق ليس مجرد دولة مجاورة بل عمقًا استراتيجيًا لإيران بتوافق مع دولتا الاحتلال أمريكآ وبريطانيا وفرصة استراتيجية للخليج في آنٍ واحد.

ثانياً: دول الخليج العربي ادركت ربما متأخراً بعض الشيئ أن معركتهم ليست على حدودهم…

بل داخل العراق
اذن فالتحول الأهم في التفكير الخليجي هو الانتقال من سياسة الاحتواء الخارجي لإيران إلى محاولة تقليص نفوذها داخل العراق لانه الاكثر اهمية على امنها القومي ؟!
للأسباب التالية:-
1. الاقتصاد كمدخل استراتيجي فدول الخليج العربي خصوصًا السعودية والإمارات بدئا يدركان ان النفوذ لا يُنتزع بالسلاح فقط… بل بالاستثمار الذكي عبر مشاريع الربط الكهربائي وفتح الأسواق وتشجيع الاستثمارات…هذه الأدوات ليست اقتصادية فقط بل محاولة لإعادة ربط العراق بعمقه العربي.

2. كسر الاحتكار الإيراني
معروف ان ملالي إيران اعتمدوا على شبكات اقتصادية غير رسمية ونفوذ سياسي داخل مؤسسات الدولة
لذا فالتحرك الخليجي يجب ان يسعى إلى خلق بدائل وانهاء او تقليل الاعتماد العراقي على طهران …أي أن المعركة هي القوى الناعمة ومعركة خيارات لا مواجهة مباشرة.

ثالثاً: بالنسبة لملالي إيران…

العراق هو خط الدفاع الأول …اصبح واضح جدا ان العراق بعد احتلاله بالنسبة لإيران ليس مجرد جار بل ممر جغرافي امني وعسكري واقتصادي نحو سوريا ولبنان وهو عمق أمني يبعد التهديدات ناهيك عن كونه اصبح ساحة نفوذ سياسي واقتصادي؟! لذلك فإن أي تحرك خليجي داخل العراق يُنظر إليه الملالي في طهران كتهديد مباشر للأمن القومي الإيراني ؟! وهنا تتضح حساسية الموقف فالعراق ليس ساحة تنافس عادية… بل خط تماس غير معلن.

رابعاً: اصبح الاقتصاد العراقي…

ساحة الاشتباك الصامت ففي ظل استبعاد الحرب المباشرة يتحول الاقتصاد إلى ميدان المواجهة الحقيقي:
1. الطاقة فالعراق مايزال ؟! يعتمد جزئيًا على الغاز والكهرباء من إيران ودول الخليج تسعى منذ فترة طويلة لتوفير بدائل والنتيجة
صراع على مفتاح الكهرباء في العراق.
2. التجارة فالأسواق العراقية مفتوحة للمنتجات الإيرانية بعشرات المليارات من الدولارات سنويا في حين تحاول دول الخليج الدخول بقوة وهنا يدور الصراع غير المرئي من يملأ السوق العراقي الواسع الواعد سيملك التأثير.
3. البنية التحتية من موانئ وطرق واستثمارات وكل مشروع ليس مجرد مشروع عادي بل تموضع استراتيجي طويل الأمد.

خامساً: البعد الأمني…

العراق كمنصة ردع غير مباشر فبالرغم من أن دول الخليج تتجنب المواجهة العسكرية مع

إيران إلا أن العراق يمكن ان يؤدي أدواراً حساسًة في مراقبة التحركات وتقليل مساحة النفوذ المسلح ودعم استقرار الدولة ولكن المشكلة هي ان أي تصعيد داخل العراق قد يتحول بسرعة إلى صراع إقليمي

سادساً: المعضلة العراقية – بين الفرصة والخطر

العراق الان تحديدا يقف أمام معادلة مزدوجة بين الفرصة: في ان يتحول إلى جسر توازن بين الخليج وإيران وأن يستفيد اقتصاديًا من الطرفين وأن يستعيد دوره الإقليمي لكن ذلك محفوف بالمخاطر
كأن يبقى ساحة صراع بالوكالة وأن يُستنزف داخليًا وأن يفقد قراره السيادي المحدود والضعيف او ماتبقى منه؟! والفرق بين الاثنين هو قدرة الدولة العراقية على إدارة التوازن وهذا امر يمكن ان يتحقق إذا ماحصل التغيير في بنية نظامه الحالي المتهرئ؟؟

سابعاً: أين تقف الولايات المتحدة؟

وهذا ربما واحد من اهم الاسئلة التي تطرح نفسها لاسيما بعد انتهاء الحرب الحالية…فالحقيقة ان الحضور الأمريكي منذ الاحتلال 2003 لم يختفِ لكنه غيّر تكتيكاته فلم يعد تدخلًا مباشرًا واسعًا
بل اصبحت مهمته هي إدارة للتوازنات مع ملاحظة ان واشنطن لحد الان ماتزال تدعم استقرار الخليج وتحاول تقليل نفوذ ملالي إيران لكنها في ذات الوقت لا تريد حربًا شاملة ما يعني أن العراق سيبقى إلى اجل غير واضح ضمن منطقة إدارة الأزمة لا حلها.

ثامناً: السيناريوهات المحتملة

اغلبنا يتمنى ان الأمريكيين والبريطانيين يعيدا ترتيب أوراقهم في العراق اولا وفي المنطقة ثانيا لاسيما بعد تجربة الحرب على الملالي ومع ذلك نحن نتوقع حدوث أحد السيناريوهات التالية:
1. سيناريو التوازن الذكي حيث العراق في تنويع علاقاته ويقلل الاعتماد على إيران إذا ماحصل التغيير في النظام الحاكم وينفتح على الخليج وربما هذا أفضل سيناريو.

2. سيناريو الاستقطاب وانحياز واضح لأحد الطرفين وتصعيد داخلي هذا أخطر سيناريو.

3. سيناريو الجمود حيث بقاء الوضع كما هو واستمرار النفوذ الإيراني وانفتاح خليجي محدود وهو السيناريو الأقرب حاليًا.

الموقف الاستراتيجي

العراق اليوم ليس مجرد دولة في المنطقة… بل العقدة التي تتقاطع عندها كل خطوط الصراع الخليجي العربي الإيراني حيث ترى دول الخليج فيه فرصة لاستعادة التوازن
في حين سيرى فيه ملالي إيران خط الدفاع الاول الذي لا يمكن خسارته وتراه الولايات المتحدة ساحة إدارة نفوذ؟!
من وجهة نظري ان المعركة الحقيقية ليست في مضيق هرمز…بل في بغداد. وليست معركة دبابات…بل معركة اقتصاد اولا ونفوذ وقرار سيادي !!!…اذن مستقبل العراق لن تحدده قوة طرف خارجي فقط بل قدرة الداخل (ان اعطيت فرصة للعقلاء الوطنيين) على استيعاب التوازنات ورفض استمرار ظاهرة ان يكون العراق ساحة صراع وان يلتفت ابناؤه لبناء دولة قادرة على فرض قرارها ….في عالم تتصارع فيه القوى على النفوذ فالدول التي لا تملك قرارها… تتحول إلى ساحة.والعراق اليوم وغدا أمام خيار تاريخي إما أن يكون لاعبًا في المعادلة…أو يبقى موضوعًا لها.ونتمنى ان ادارة ترامب تسهم في انهاء الكوارث تصويب الأوضاع الشاذة التي وصل اليها العراق بسبب سياسات الادارات الأمريكية السابقة وان تفضي إلى انهاء معاناة الشعب العراقي وانقاذه من عبث ملالي ايران وذيولهم الذين يهيمنون للأسف على السلطة في العراق بعد احتلاله؟! وان تتحول سياستهم من الترقيع إلى الحلول المنطقية؟!

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=90154