مقاربات واختلافات في الأطر الفكرية بين الديمقراطية وفلسفات معاصرة
الحلقة الثانية: الديمقراطية والفلسفة الواقعية المثالية وأوجه التشابه الفكري بينهما
د. عامر الدليمي
مع وجود أفكار وفلسفات معاصرة متشابهه في مفاهيمها تصب في مصلحة الإنسان، نجد هناك عدم توافق أو تطابق تام، خاصة بين الباحثين والمثقفين على رأي واحد بصورة شاملة وكاملة، فكل واحد ينطلق من أفكار يؤمن بها لتقديمها، أو عدم الإيمان بها حسب قدرته الثقافية والعلمية وآرائه الفلسفية، المستندة للنقد والتحليل أو بيان ما يذهب إليه من قناعات، وهناك آراء تتطابق معها بنسب مختلفة في الطروحات والآراء.
لذلك فإن إستعراض المفهوم الديمقراطي والفلسفة الواقعية وتبيان أوجه التشابه الفكري بينهما لا يخرج عن الإطار المعرفي لهما وتأشير ذلك، فالديمقراطية ممارسة تقدم برنامج ونتائج ملموسة من خلال المشاركة في الإنتخابات البرلمانية للأحزاب السياسية والحركات ومنظمات المجتمع المدني كحقيقة واقعة، والفلسفة الواقعية هي كل شيء حقيقي، وإدعاءات تُثبت واقعيته وتتناسب مع حالته، لذلك فالمفهومان الديمقراطية والواقعية في هذا الوصف يشكلان مفهوم واحد لحالة متشابهه.
ومن المبادئ الأساسية للفلسفة الواقعية إعتبار الواقع موجود حقيقة، وأن العالم وما فيه موجود أيضاً لايمكن إنكار وجوده وهو أساس التجربة، وأن الإنسان جزء من هذا الوجود، ويستطيع اكتشافه من خلال التجربة والمعرفة والملاحظة والتعايش فيه، والمعرفة تعتمد على العقل والأفكار والرأي ووجهات النظر التي تنص على حقيقة الأشياء مادياً، كما في الممارسة الديمقراطية كعملية حقيقية واقعية أثبتت وجودها فعلياً في الأنظمة الديمقراطية، والمؤسسات المدنية التي تتعامل وتتعاطى معها إدارة لتحقيق مصالح عامة، لها قواعد واضحة ومن واجباتها تقديم إداء أفضل، ومن لزومياتها تلبية وتأمين حاجات الإنسان الأساسية لتمكينه فعلياً ممارسة حقه في الحياة.
وكما أن الديمقراطية تؤمن بأن الإنسان في العملية الإنتخابية له دور واضح وعمل حقيقي مساهم فيها، إذ تشعر بأهميته كحقيقة واقعة، كذلك الفلسفة الواقعية تشير إلى أن الإنسان جزء حي من هذا الواقع، يستطيع اكتشاف المعرفة في عالمه من خلال التجربة والملاحظة بالاعتماد على العقل في الحياة، ليكتسب المعرفة والأفكار ثم يدركها بالحواس، لأن الوجود في الحياة هو أساس الحقائق، ويرى الفيلسوف (أرسطو) أن وجودنا في الحياة هو أساس الحقائق، أي أن الحقائق تنبع من الواقع فيمكن مشاهدتها وملاحظتها من التجارب والخبرات، والواقعية تؤكد أن الحقائق مكانها ليس في العقل بل أمامنا وحولنا في الحياة، وعلى أرض الواقع وعلى كل ما عليك فعله هو أنت عيش هذه التجربة فتلاحظ الحقائق (١).
ولذلك نرى أن العملية الديمقراطية هي وجود لواقع عملي في الحياة، وكما تؤمن الفلسفة الواقعية بالحياة، لها تصورات تختلف في طبيعة عملها المادي، وحالة تكوينها وتمايز الأشياء فيها، وفي طرائقها التي تنظم عملها، كإنسان أو هواء أو مواد أخرى، فالعالم الطبيعي أساسه مادي وهو قائم بذاته، والديمقراطية جزء من أساس عملها مادي آلات ميكانيكية ونظم إلكترونية، وصناديق اقتراع وعامل بشري يدير هذه الآلات ويقوم بتحريكها حسب وظيفتها كعامل مساعد للعملية الديمقراطية في الانتخابات البرلمانية، والواقعية هي الاعتقاد في حقيقة المادة، والحقيقة موجودة في عالم الأشياء ووجودها حقيقي وواقعي (٢).
وبنفس الفكرة والمضمون للواقعية، فهل يمكن إنكار العملية الديمقراطية في حياة الأنظمة الديمقراطية، وإنكار ممارستها وهي واقع عملي يشارك فيها أحزاب وحركات سياسية تتبنى أديولوجيات متعددة وأشخاص بأعداد كبيرة جداً، يمثلون الشعب بكل إنتماءاته وطوائفه واتجاهاته؟
والواقعية تقوم أساساً على الاعتقاد في حقيقة المادة، فالكون ليس خدعة أو عدم وجوده بل أنه وجود حقيقي وجوهري والأشياء الموجودة فيها أيضاً، وإزاء الديمقراطية في الأنظمة الديمقراطية، ليس خدعة وإنما ممارسة عملية شعبية سياسية، وحاجة للتطور المجتمعي تساعد على الملائمة بينها والشعب في مناخ من الحرية بأطر حديثة ومناقشات وانتقادات ومقارنات سياسية للتطلع نحو مستقبل أفضل، كممارسة عملية ميدانية بأسلوب حضاري حداثي، كما تقدم الفلسفات المعاصرة كالواقعية المثالية أفكار حداثية معاصرة، لخدمة المجتمعات الإنسانية وحالة للتطلع نحو مستقبل أفضل، وممارسة بأسلوب ثقافي فكري حداثي للإصلاح الاجتماعي والثقافي.
ولذلك نرى أن الواقعية تتفق في عدد من جوانبها مع الممارسة الديمقراطية، وربما تختلف معها في بعض جوانب أخرى، فالواقعية المثالية تحاكي الواقع والديمقراطية تحاكي الواقع أيضاً وهي الممثل عنه عند ممارستها فعلياً، وبالتالي لايمكن إنكار وجودها، كحقيقة قائمة لها دلالاتها وموقعها، كحقيقة ثابتة مؤكدة عملياً وممارسة فعلية.
والواقعية هي منهج فكري يجمع بين المثالية التي تهدف إلى القيم والأهداف العليا والواقعية التي تراعي الظروف والإمكانيات المتاحة، وتسعى لتحقيق غايات سامية دون أن تنفصل عن واقع الحياة اليومية وتسعى نحو القيم الفاضلة مثل العدل والخير، وفي السياسة وضع خطط مستقبلية مثالية مقبولة الحلول الممكنة ضمن القيود الحالية مع بناء خطوات عملية بسيطة وثابتة لتحقيقها (٣).
والديمقراطية هكذا أيضاً تسعى من خلال ممارستها عملياً كهدف نحو تحقيق غايات سامية، تدل على وعي ثقافي ومشاركة اجتماعية واعية ضمن خطوات وإجراءات وآليات ونظام وقواعد قانونية مقبولة اجتماعياً ودستورياً، وحاجة لمستقبل أكثر تفاؤلاً، وطموحات حياتية تطبق وفق خطوات عملية لإسعاد المجتمعات البشرية، التي تُطَبَق فيها الديمقراطية التي تحترم الإنسان وحريته وكرامته في الحياة، والتعبير عن رأيه كحق ثابت ومقبول، خاصة إذا كان متوافق مع المصلحة العامة للبلد الذي يعيش فيه واقعاً وحقيقة.
المصادر:
١. هاشم العوادي ، فلسفة التربية الواقعية ، جامعة بابل ، عن رنين السعدي ، عن موقع mawdoo3. Com.
٢. أحمد سعيد موسى، تطور الفكر التربوي ، القاهرة ، عالم الكتب ، ٢٠٠٠م ، ص ٢٤٥.
٣. الواقعية المثالية ، شبكة الألوكة .
