13 سبتمبر، 2026 - 9:56 مساءً
مقالات وآراء

هل تدخل طهران مرحلة التفاوض الاضطراري؟.. بقلم/ د. فالح الشبلي

فالح الشبلي

لم تعد المفاوضات مع إيران تُقرأ ضمن سياقها التقليدي، بل غدت مرآةً مباشرة لتحولات عميقة تضرب بنية الدولة من الداخل. فطهران التي اعتادت التفاوض من موقع يجمع بين الصبر الاستراتيجي وتدوير الزوايا، تجد نفسها اليوم أمام معادلة أكثر قسوة: ضغط خارجي متصاعد، يقابله تآكل داخلي متدرّج، لكنه بالغ التأثير.
في الجولات السابقة كانت إيران تدخل طاولة التفاوض وعندها عناصر قوة واضحة: فريق تفاوضي متمرّس، ومركز قرار شبه متماسك، وقدرة على توزيع الأدوار بين المؤسسات. أما اليوم فالمشهد مختلف؛ إذ تتداخل فيه مؤشرات الضعف مع مظاهر الارتباك، لتُنتج صورة أكثر هشاشة وتعقيدًا.
أول هذه التحولات يتمثل في تراجع الخبرة التفاوضية. فغياب الشخصيات التي أدارت مفاوضات الاتفاق النووي السابق ❪٥ + ١❫ لا يُعد مجرد تغيير في الأسماء، بل هو فقدان لتراكم خبرات دقيقة كانت تُحسن قراءة المزاج الدولي، والتوازن بين التصعيد والتنازل. هذا الفراغ لا يُملأ بسهولة، خصوصًا في مرحلة تتطلب حساسية عالية في إدارة الملفات المتشابكة.
ثانيًا، يبرز عامل الغموض في بنية الوفد الإيراني. فعدم وضوح الأدوار وتداخل مراكز التأثير داخل الفريق المفاوض ليس تفصيلًا شكليًّا، بل هو انعكاس محتمل لخلل أعمق في مركز اتخاذ القرار. وغالبًا ما تكون هذه الضبابية مؤشرًا على صراع غير معلن بين دوائر النفوذ، أكثر من كونه مجرد تكتيك تفاوضي محسوب.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن على طاولة التفاوض، بل في الداخل الإيراني ذاته. فالمعطيات المتداولة حول وجود تباينات بين الجيش النظامي والحرس الثوري ـ سواء على مستوى الامتيازات أو النفوذ ـ تفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول مدى تماسك البنية العسكرية. وفي الأنظمة التي تعتمد على تعدد مراكز القوة، يتحول أي خلل في التوازن الداخلي إلى عامل ضغط مباشر على القرار السياسي.
هذا التباين ـ إن تصاعد ـ لا ينعكس فقط على الاستعداد العسكري، بل يمتد أثره إلى الموقف التفاوضي. فالدولة التي تعاني تصدعات داخلية تكون أقل قدرة على اتخاذ قرارات حاسمة، وأضعف التزامًا بالمسارات الطويلة، وهذا يمنح الطرف المقابل هامشًا أوسع للمناورة والضغط.
في المقابل يبدو الطرف الأمريكي أكثر انضباطًا في إدارة هذا الأمر، إذ يدخل المفاوضات بملفات محددة، مدعومة برؤية استراتيجية واضحة، وهذا يعزز من تماسك موقفه التفاوضي ويُعمّق الفجوة بين الطرفين.
وتزداد الصورة تعقيدًا حين تتزامن المفاوضات مع ضغط عسكري مباشر. فالتفاوض تحت التهديد لا يُنتج التوازن ذاته الذي تفرضه معادلة الردع المتكافئ، بل يدفع ـ في كثير من الأحيان ـ نحو خيارات اضطرارية تُغلّف بغطاء دبلوماسي.
في هذا السياق، يبرز احتمال لجوء طهران إلى خيار التصعيد باعتباره وسيلة للهروب إلى الأمام، في محاولة لإعادة فرض معادلة ردع جديدة بعد تضاؤل هامش المناورة. غير أن هذا الخيار، رغم ما يحمله من إغراء تكتيكي، ليس سلوكًا استثنائيًّا في السياسة الدولية، بل تكرر في تجارب متعددة عندما شعرت دول بأن موقعها التفاوضي آخذ في التراجع. ففي تجربة فلاديمير بوتين، لم يكن التصعيد في أوكرانيا مجرد تحرك عسكري، بل محاولة لإعادة رسم حدود النفوذ وفرض واقع تفاوضي جديد، حتى في ظل كلفة اقتصادية وسياسية مرتفعة.
أما كوريا الشمالية، بقيادة كيم جونغ أون، فقد جعلت من التصعيد المحسوب ـ عبر التجارب الصاروخية والتوترات المتكررة ـ أداة دائمة لانتزاع الاعتراف وفرض شروط التفاوض.
في المقابل تقدم تجربة صدام حسين أنموذجًا مختلفًا، حيث تحوّل التصعيد إلى خيار للهروب من الضغوط دون تقدير دقيق لحدود الرد الدولي، وهذا أدى في النهاية إلى نتائج عكسية كارثية.
القاسم المشترك بين هذه النماذج أن التصعيد لم يكن هدفًا في حد ذاته، بل أداة لإعادة التوازن عندما تضيق الخيارات. غير أن الفارق الحاسم يكمن في قدرة الدولة على تحمّل تبعات هذا الخيار، وعلى مدى تماسك جبهتها الداخلية.
بالعودة إلى الحالة الإيرانية، فإن أي محاولة لتبنّي هذا المسار ستصطدم بواقع مزدوج: بيئة دولية أقل تسامحًا مع فرض الوقائع بالقوة، وداخل يعاني تباينات قد تتحول إلى عامل إرباك بدل أن تكون مصدر قوة. وهنا تكمن المفارقة؛ فالتصعيد الذي يُفترض أن يمنح طهران ورقة ضغط إضافية، قد يتحول ـ إذا أسيء تقديره ـ إلى عامل استنزاف يُسرّع من تآكل قدرتها على المناورة.
كما أن التقديرات التي تشير إلى أن حجم الأضرار التي تكبدتها إيران خلال مراحل التصعيد يفوق ما لحق بالطرف المقابل، تعزز من فرضية انتقالها من موقع المبادرة إلى موقع الاحتواء، ومن التفاوض لتحقيق المكاسب إلى التفاوض لتقليل الخسائر.
لكن الخطر الأعمق لا يكمن في نتائج جولة تفاوض واحدة، بل في المسار الذي قد يتكرّس بعدها. فالدول التي تدخل التفاوض تحت ضغط مزدوج ـ خارجي وداخلي ـ تجد نفسها أمام معادلة صعبة: إما تقديم تنازلات تُفسَّر داخليًّا على أنها ضعف، أو الاستمرار في التصعيد بما يحمله من مخاطر الانزلاق إلى مواجهات أوسع.

▪إيران اليوم لا تخوض معركة تفاوضية فحسب، بل تمر باختبار مركّب لقدرتها على الحفاظ على توازنها الداخلي تحت ضغط خارجي متزايد. وفي مثل هذه اللحظات، تتحول المفاوضات من أداة لفرض الشروط، إلى وسيلة لإدارة الخسائر، ومن منصة لتحقيق المكاسب، إلى خط دفاع أخير لمنع الانزلاق نحو أحداث أكثر تعقيدًا؛ حيث لا يكون السؤال: ماذا ستربح طهران، بل ماذا تبقّى لديها لتخسره؟

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=90633