سليدرمقالات وآراء

هل ممكن لايران ان تغير موقفها الأيديولوجي المتجذر بعمق استجابة لحرب أمريكا وضغوط الغرب ؟

استاذ دكتور طارق السامرائي

وفي ملفنا الثآني لأيديولوجية ايران الخمينية هناك اسئلة معقدة وتخمينات بخصوص الاستجابة لشروط الادارة الامريكية في الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب وهي تحمل ايدلوجية جامدة لذلك فكل تحول نحو البرغماتية السياسية سيكون علي الأرجح سطحياً في افضل حالاته .
يامل البعض في ان تؤدي تجدد الموقف للرئيس ترامب (سياسة الضغط الاقصي)من واشنطون الي دفع ايران نحو اجراء تغيير في السلوك وحتي في الهيكل الاداري وهو في تقديري الهدف الأبعد للسياسة الامريكية لايران من محور النووي والصواريخ الذي تهتم به اسرائيل اولا واخيراً.
إلا أن امريكا استغفلت ان الظاهرة الخمينية ليست وليدة حاجات مرحلة وانما هي جزء من عصبية فارسية راسخة وموقف الملالي القادة من خميني حتي خامنئي يزداد صلابة وتزايد في السلوك المشاكس (العناد المتخلف)مما يزيد الايوديولوجيا الايرانية ويجعل الرضوخ مستحيلا ،فهوية( ايران خميني) ليست مجرد مسألة سياسية فحسب ،بل ألتزام أيديولوجي مكرس منذ عام 1979 وهو مزيج من معاداة الإمبريالية والإسلام الشيعي والحماس الثوري المتهور التي ميزت ما ميزت كل هذه السلوكيات والتصرف في عموم الساحة العالمية
في الوقت الذي تتشدد سياسة الرئيس ترامب من جديد ،فهل تستجيب ايران وتخلق القدرات علي تغيير سياستها استجابة لهذه المواقف من ادارة ترامب ؟
وفي هذا السياق كانت بعض القطاعات داخل الجمهورية الاسلامية تدعوا الي التقارب مع واشنطون وتدفع الي فوز ترامب وإجراء مفاوضات ومحادثات حتي بعدقتل قائد (الحرس الثوري قاسم سليماني ) من قبل ترامب بالذات وهو تصور ليس معزولا فقد كان جزء من افكار المعسكر الاصلاحي داخل ايران

وفي وصف نادر وله دلالات ادلي الخميني في قرار شهير وتاريخي بقبول وقف اطلاق النار في (الحرب العراقية الإيرانية بانه ((تجرع لكأس السم ))وان قرار ايقاف الحرب كان خيارااضطراريا وليس اختيارياً ،لكن بالنسبة للكثير من الإيرانيين كان القرار يمثل عاراً واهانة .

اما السياسيون الإيرانيون فقد رأوا في قبول قرار مجلس الامن الدولي (598)نقطة محورية وفرصة لنظام ايران السياسي كي يبتعد عن الطموحات الثورية والهياج الغير منضبط والعودة إلي مسرح العالم وتفعيل الدور الايراني وكسب العطف واحترام ايران كدولة وليس راعية للايوديوجيا !
لكن تطور السياسة الإيرانية والتي أسهم في قيادتها الاصلاحيون ووزير الخارجية ظريف لاحقاً أحبطت هذه التوقعات (فعوضا من التحول نحو اعدة الاندماج في النظام العالمي ،دشنت ايران ازمتها النووية حقبة جديدة في المواجهة بينها وبين امريكا وإسرائيل والغرب .
وفي بعض اراء الافتراضين ان ايران قادرة ومستعدة لتجاوز التزاماتها الايديولوجية لصالح البرغماتية العقلانية ومع ذلك فإن الايديولوجية القوية التي شكلت معظم مواقف ايران الخمينية ازاء القضايا العربية والدولية تشير الي تحول مفاجئ من قبل نظامها السياسي يبدو أمراً (مستبعداً للغاية)،وعلي عكس معظم الديكتاتورات العلمانية تعد جمهورية ايران نظاماً ايديولوجيا يلتزم (بأيديولوجية موجهة )تمزج بين الماركسية المناهضة للإمبريالية والإسلاموية الشيعية والعالم الثالث الرجعي !وهو مزيج منصوص عليه فيفي دستور الثورة عام 1979 (المادة 5-3)والذي وصف السياسة الخارجية وإطارها الإسلامي في التضامن مع المستضعفين في العالم (المادة 16-3).هذه المبادئ ابعد ما تكون عن (الرمزية )وعملت علي دفعها الي ما دعته (تصدير الثورة )الي دول الجوار ودول ذات الأغلبية المسلمة في قارات اسيا وافريقيا والشرق الاوسط بدعم من ذيولها في العراق ولبنان واليمن ونوعاما في دول الخليج الي تاسيس تحالفات مع ميليشيات (سنية مثل حماس كي تمتد في ايديولوجيتها الثورية التي هي جزء من نظام ايران السياسي رغم أن هذه الايديولوجيات لا تستند إلي شراكات او روابط (الثيوقراطية)المشتركة بل تتبني هدف مشترك يتمثل في مواجهة (النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الاوسط).
فمثلا عززت ميليشيات الشيعية في العراق وحزب الله في لبنان الذي اكتسب مكانة بارزة في مهاجمة اهداف أمريكية وكذلك في اليمن وبروز ظاهرة (الحوثيين)وأنماط اخري شكلت مواقف متشددة ومعادية للولايات المتحدة الأميركية.

والمراقب لأحداث العالم يشعر أن بعض الأنظمة الثورية قد تطورت مع مستجدات الزمن وباتت اكثر اعتدالا ،اما ما يخص جمهورية ايران الإسلامية فان ترسيخ الايديولوجية بعمق داخل النخب الحاكمة لها جعل مثل هذه التحولات شبه مستحيلة !
لقد اشار (كيسنجر)التأثير القوي للأيديولوجية علي النظام الشيوعي واشار الي ان (الايديولوجية )لا يمكن ان تستمر لفترة طويلة بعد استنفاذ صفة الحماس لها )
يعتبر كيسنجر وحنة آرندت وهي من ابرز المنظرين الايديولجين ان جمهورية ايران الإسلامية تمثل (ظاهرة الإيديولوجيا البيروقراطية)عبر بنيتها (كنظام ثيوقراطي )يعزز مفهوم (السيادة الإلهية)للولي الفقيه وهو دور يتجسد في في الصلاحيات الواسعة للمرشد الاعلي في وقت تلتزم دولة ايران الإسلامية (بالتفسير الشمولي للإسلام السياسي الشيعي )
السلطة تكون في هذا النظام في يد المرشد الاعلي والتي تجمع (السلطة السياسية بالسلطة الدينية )علي حد سواء .
ففي فتواه (الخميني)أتاح كامل السلطة للولي الفقية التحكم في ضرورة تعليق (الممارسات الإسلامية الواجبة كالصلاة والصيام والزكاة )والتي تمسك بها تطبيقا نظام الملالي ودون مساءلة لان تركة خميني تراها فكرة لا تخضع للرقابة وما (وراء القانون)لانها (ممنوحة بارادة ألهية ) ويرون فيها امتداداً لتقاليد الأنبياء وحكماء المذهب الشيعي .

لذلك اظهر كم من (الخميني وخامنئي)ألتزاما ايديوجيا ثابتا وفي مسح أجراه احد المحللين لخطابات خامنئي عام 2023 انه استخدم لفظ (العدو)373 مرة ذكر فيه الولايات المتحدة الأميركية 299 مرة دون الاشارة إلي الصين او روسيا وهي صورة من نظرية (كارل شميت )التي تميز بين العدو والصديق .

هذا المنظور يتماشي مع تاثيرات خامنئي المبكرة فقد قام بترجمة 3 كتب (لسيد قطب)من العربية الفارسية مشاركا له في نظرته لأمريكا والأسس العلمانية اللبرالية والتي تقسم العالم إلي عالمين (دار السلام ودار الكفر والحرب ).

وهي النظرة التي تدعم مؤسسة الحرس الثوري العابرة للحدود وتصف المعارضين والاصلاحيين (اعداء الإسلام).

وفي حسابات معظم دول العالم تعتبر السياسة الخارجية خاضعة لأيديولوجية اهداف ومصالح الدولة ،اما في الأنظمة الايديولوجية تصبح المصلحة الوطنية هدف بحد ذاته لتحقيق المعتقدات الموروثة ،لكنها تعرضها الي ما يدعي (التنافر المعرفي ) وقال علي ذلك هو (ما مارسه دونالد ترامب ضد ايران منضغوط وحملات عسكرية مدروسة ومحدودة الغايات تمت بمواجهة إيرانية تحت مجهر ((المقاومة الإسلامية اقل تكلفة من التسوية او الخضوع للشروط الضاغطة عليها ))

هذا التصور لدولة وقادة الملالي يحتل التفكير الاستراتيجي لايران بدءامن مفهوم (الشهادة )حيث تنظر للحياة بانها (تضحية جديرة بالمقاومة) وهذا ما يمنع ايران من الاعتراف بالضربات الأمريكية التي لحقت بها وصفت عددا من زعاماتها .ان صلابة النظام الإيراني رغم النكسات المؤذية من امريكا وإسرائيل والغرب قد تحد من استراتيجيات صناع القرار الأمريكي في واشنطن وهو الذي وربما يدعو ترامب لوقف اكثر عدوانية كبديل لسياسة (الضغط القصوي) وفي ظل هذا السيناريو يمكن أن تصبح الحرب المحدودة حربا مفتوحة وتوتراً اكثر (بينما تحافظ كلتا هذه الدول علي التقيد وبحذر في سيطرة نفوذ بعضها علي البعض الاخر ).

واخيرا اري ان محاولة فرض (أقصي ضغط 2.0)لن تؤدي الي اقصي (هزيمة 2.0). ومن هذا المنطلق ستظل سياسة (اقصي قدر من الحكمة )لمصلحة الجميع ).

لن تتغير ايران وتجنح البرغماتية ،بل تبقي تحت ضرورة الايديولوجية الجامدة مما يجعل ايران ونظامها السياس مقيدا في عالم يتطلب القدرة علي التكيف .

 

موضوعات ذات صلة

الدكتور محمد العرب يكتب..هل ستولد الدولة الكُردية من رحم البعث الأسدي؟!

admin

رامي الشاعر يكتب.. استشهاد الفتى عمر حامد والرد الإيراني

admin

دور قاليباف في قمع الطلاب إلى الاعتداء على السفارة السعودية بطهران

admin

الدكتور مصطفى الصبيحي يكتب.. صوت الشباب هو مستقبل العراق

admin

الدكتور صابر حارص يطرح أسئلة لم يجيب عليها الصحة والإعلام والأزهر لمواجهة كورونا

admin

محمد العرب يكتب.. غزة و الشيكل والشتات القادم

admin