الحرب الخليجية الثالثة دشنت شهرها السابع ولا زالت وكل اطرافها تحد السكاكين ويتبادلون قصف الشروط تحت قصف المدافع والطائرات!
ألحق ترامب ونتنياهو أضرار جسيمة بالبني الإيرانية …حقيقة واضحة ،لكن نظام الملالي لم يركع بعد!
العملية الجراحية بترت الرأس،غير أن الجسد المترهل لا يزال ينبض عسكرياً وسياسياً ويصر علي ممارسة ( الهاركاري )الانتحاري علي طريقة اليابان .
واجهت دول الخليج عدواناً شرساً من طرف الحرس الثوري الإيراني في وقت تظهر هذه الدول قدرتها وثباتها لمهارات المشي علي (حد السكين )،فهي قادرة علي الصمود وعدم الانزلاق إلي مستنقع الحرب المواجهة .
حزب الله اللبناني الإيراني لا يكتفي بالتزام (العناد الوجودي )بل يستأنف ارسال صواريخه النارية الي اسرائيل ودولة لبنان تسدد فواتير التدمير والتهجير وارتفاع تكاليف الحياة !
الحوثيين خرجوا من جحورهم وكهوف الجبال لغرض إشعال (باب المندب)فيما يحبس العالم انفاسه داخل (مضيق هرمز).
اسعار الطاقة ومشتقاتها تحرق بطون الاقتصاد !
تغيير منطقة الشرق الأوسط (حلم أمريكي إسرائيلي خيالي وتاريخي )!
لم يدرك ترامب ونتنياهو ان (العنف وحده يحقق الأحلام ).
ولم يكن التفاوض خيارا في حسابات امريكا وإسرائيل لكنه (بات محطة اضطرارية )،كلاهما يرقص علي (حد السكين ))،بعد ما عجزت البندقية والدبلوماسية عن انجازه !
بطون الحرب ومألاتها
حرب ربما تكون خاطئة دخلت في حيز (املاء الشروط وانتزاع التنازلات ) مارس فيها الطرفان قسراً السير علي (حد السكين )فحولان التفاوض تشهد قتالاً عسكرياً بأسلحة الاذلال والاذي والمناورات .
حوارات داخل الغرف الخلفية والمغلقة تجري وتجهض في وقتيمارس الطرفين الاقتتال بالمسيرات والصواريخ ودك عرين صناعات الحرب ،يستهدف الأمريكان والاسرائيليون استنفاذ مخزون الإيرانيين من (الصبر والصواريخ )فيما يختبر الحرس الثوري قدراته علي الصمود والتصدي واستنفار أجنحته وذيوله لزيادة فوهات الضغط علي الطرف الثاني .
انها جولات (عض الاصابع )انتظارا لمن يصرخ اولا .
وفي المقابل ترامب تتدني شعبية مؤيديه في لهيب معارك كلما تصاعدت اكتوي بها عبر موجات التظاهر والاحتجاجات داخل المدن المركزية الأمريكية!
إسرائيل تعايش كوابيس لم تراود أجيالها وسط أدخنة الرعب وحلول الانتخابات !
اسعار النفط والغاز لا تحتمل الصبر وانتظار المجهول من الحرب !
تواجه واشنطن جفوة ولوم خجول وسط حلفاؤها ،يشكو ترامب (الإحباط تجاه حلف الناتو).
رياح ترابية مؤذية تضرب عواصم وشعوب لدول المنطقة بلا سابق اوان وهي تحت ما يسمي (نظام عربي)!
هذه ليست الحرب الكبري الاولي في الشرق الاوسط !فقبلها تعرضت مصر للعدوان الثلاثي الغاشم في حين غيرت أمريكا بوصلتها وقادت حربين في المنطقة الاولي في عهد بوش الاب علي العراق كان للعرب فيها (باعاً طويلًا)كما كان في الحرب الثانية في عهد ابنه بوش الصغير التي اتسمت بالطابع الاتهامي والهجومي وكان هدفها (فرض الهيمنة الأمريكية تحت مظلة مكافحة الارهاب)والتي وضعت امريكا في (قفص الاتهام )حتي يومنا هذا .
اما الحرب الراهنة فهي مؤطرة (بالمغامرات الشخصية )حيث يهرب عبرها نتنياهو من معاركه الداخلية )وينجح ترامب في فوزه الاحق وكسب عطف اللوبي الصهيوني وهوما لم يحلم به .
وبذلك فقد وقع ترامب ضحية هذا التصور الخاطئ والطموح الذاتي بمحاولة ترسيخ صورة (الرئيس الأعظم لدولة عظمي ذات جيش اقوي )
لقد ارتكبت ادارة ترامب وفقا لاحداثيات هدفها المركزي في اسقاط نظام الملالي الايراني وفشل سياقات استراتيجيتها رغم الاذي الكبير الذي سببته لايران !
هكذا تداعت الغايات من تصفية النظام الإيراني الي تغيير سلوكه مرورا (بتجفيف مصانع مسيراته وصواريخه ومستودعات الأسلحة ومصانع إنتاجها)
ثم التوجه إلي تدمير البني النووية بالكامل واعادة فتح مضيق هرمز ،ولكن الذي استجد هو ((التعامل بمنظومة تأمين السلم الاقليمي عند كوة احتمالات التفاوض )).
ممارسة الرقص علي حد السكاكين
في مشهد دراماتيكي وجد الآخرين الصهريين ترامب ونتنياهو نفسيهما في مسرح (الرقص علي حد السكين ).
فمع التوغل في الحرب ثم الانقلاب الي صفحة المفاوضات ثم العودة للحرب صفحات لم (تتح للحسم بارقة أمل) ،فمن الانتقال من جبهات الحرب الي جبهات الدبلوماسية بدي ضربامن الرقص علي الاوتار الخطرة ).
فبناء جولات التفاوض عبر وسطاء يغري بإملاء الشروط وانتزاع المكاسب مع هدر الزمن او استثماره ،فترامب مع هذه الجولات يلوح(بشبح الحرب البرية والمتقطعة )وهي ربما تكون مغامرة تستدعي فيها امريكا (توابيت فيتنام )ولا يمكن تحديد ضحاياها بقدر ما تصيب الاخر من خسائر!
الخلاصة ومتطلبات استراتيجية السلم الاقليمي.
يتطلب السلم الاقليمي نمط استراتيجي يتجاوز العسكري الي محاور اقتصادية وسياسية وثقافية!
فالملاحظ لن يفضي اختلال الموازين للقوي في ظل الواقع المهترئالي انتاج حلول سلمية دائمة.فالحوار في مثل هذه الظروف يمنح إسكات فوهات النار ومدافعها .
يتطلب السلم الاقليمي صياغة جديدة لاستراتيجية تتجاوز شأنالعمل العسكري الي محاور اقتصادية وسياسية ثقافية !
هذه الرؤية ليست واردة علي طاولة التفاوض اذ تدار اللعبة بروح انتصار القوي وهزيمة الضعيف في الجبهات الساخنة!
ومن هذا المنطلق تبرز العقبات امام التفاوض الدبلوماسي.
فان يقبل النظام الايراني المتكابر والمتخلف عقائديا تسوية من باب تصنيفه في موقع (الهزيمة)،رغم كل ما اصابه من دمار ماحق وتفتيت بنيوي .
ففي اغلاق مضيق هرمز (كورقة رابحة يلوح بها نظام الملالي )هي محاولة (حمقاء ) لاثبات حقيقة جوهرية غيبتها التقديرات الخاطئة (دور الاقتصاد سلاح في الحرب كما في السلم ).
في ذات الوقت الرئيس الأمريكي ترامب لا يريد فقط (انتصاراً علي ايران )بل يود تأكيد تفوقه في (أمركة )العالم كله ، كيدا في حلفاؤه وخصومه .
استفزّ ترامب الشرق والغرب خوفاً من اتساع رقعة الحرب وزمنها والتي تترجح فيها الدعوة واللجوء الي
(عسكرة التفاوض اكثر من تسيسه)
ونتائج هذه الاستراتيجية تحدث غالباً عملية (تخدير)تسكن الاعراض لكنها لن تكون حتما (جراحة ناجعة تستأصل المرض ).
لقد استدرك الوسطاء كل هذه الهواجس تحت خط الخوف المشروع والعقد والعوائق في تحقيق جهودهم الرامية الي بناء الجسور والعودة الي السلام .
بني المفكر والفيلسوف الأمريكي (هنري كيسنجر) نجاحه الدبلوماسي علي الاعتراف بكل الأطراف الحاضرة في المشهد الشاخص ،(لعله اكثر القادة السياسيين المعاصرين انشغالاً بشؤون القتال والتفاوض ) وربما أغزرهم علماً بهذا الخصوص ،فله رصيد في 21 كتاباً في أمور (الشأن القومي )تنداح نجاحاتهم ازمات السويس الي الصين مروراً بفيتنام .
(الوسطاء يمارسون الرقص علي حد السكاكين ) هم لا ينتمون إلي فضاء الحياد التجريدي ،فاذا لم تمسهم ألسنة النار ،ستطالهم حتماً حتي صراع المصالح ).
ليت اطراف وقوي الحرب تستوعب (حكمة كيسنجر):-
((لتكن الحرب الاحتمال الاخير وليكن الهدف منها العودة السريعة الي السلام ))!
فكلما ظلت الجبهات مشتعلة تراكمت خسائر البني العسكرية والمدنية وهوعبء لا يزيد فقط (كلفة اعادة البناء بل يطيل امد الاستشفاء الايراني والتعافي علي الصعيد الاقليمي .
فاذن ولهذا الجميع تحت حد السكين
أ. د. طارق السامرائي/ بريطانيا
