في وقت سابق واجهنا خبران غاية في الأهمية دون أن يحظيا بالوعي والتحليل كما يستحقانه. الأول يتعلق باستمرار انتقال مركز الثقل في إنتاج النفط العالمي إلى خارج منطقة الشرق الأوسط، بعد أن باتت القارتين الأمريكيتين مسؤولتين عن أكثر من 40% من إنتاج العالم من النفط مقارنة بنحو 34% لدول (منظمة الأوبك). والثاني يتعلق بقدرة الصين على تطوير الطريق التجاري البحري الذي يربط آسيا بأوروبا قروناً ممثلاً (عقدة رئيسية للتجارة العالمية).
قد يبدو للعيان أن الخبرين منفصلين، ولكنهما يؤشران إلى تحول استراتيجي واحد (فالعالم تدريجياً يتعلم كيف يعيش بدوننا) فيما يساعد العرب وإيران بفشلهم المزمن في بناء صيغة للتعايش وحسن الجوار، لتسريع هذه العملية وهي مفارقة تستحق الوقفة والتحليل.
فقد منحت الجغرافيا (العرب وإيران) ثروة وموقع نادران، لكن الجغرافيا التي يفترض أن تكون مصدراً للقوة تحولت بفعل الصراعات بين الطرفين وتزايد طموحات إيران الانتحارية إلى مصدر ضعف واستنزاف لكلا الجانبين (وربما هي مقصودة لاستراتيجيات غربية غير معلنة). فمنذ عام 1979 لم ينجح الطرفين في بناء صيغة مستقرة لإدارة علاقاتهم، ومع مرور الوقت تحولت (المعضلة الأمنية) إلى حلقة مفرغة، تسعى فيها إيران إلى حماية نفسها والتلويح بتصدير أيديولوجيا الثورة لدول الجوار والمنطقة لكي توسع نفوذها الإقليمي ثم التحول إلى بناء (شبكة من الموالين عقيدة وانتماءً).
وهذا ما استفزّ دول العرب وشعروا بأنها تهديد مباشر لأمنهم القطري والقومي والتي تستدعي الاستعانة بحضور غربي أمريكي وزيادة ترسانتها التسلحية والبحث عن تحالفات مضادة أين كان نوعها، الأمر الذي استشعرت به إيران (محاولات حصار) والذي دعاها بجدية توجهاتها وزيادة دورها الاستثماري العسكري والإقليمي. وزيادة في هذا أتاح استمرار العجز العربي والإيراني عن بناء (مشروع للتعايش ساعد إسرائيل في استثمار هذا التباعد والانقسام طائفياً في شن حربها على إيران والتي تأمل فيها بعض العرب بأن تحسمها إسرائيل وتسكت أبواق إيران، لكن هذا لم يحصل!).
فقد فشلت إسرائيل ودعم أمريكا لها حتى لحظة اليوم في تركيع إيران وجرها إلى الخضوع لمطاليبها القاسية، ودخلت المنطقة العربية في حرب استنزاف تقف فيها حالياً إسرائيل (موقف المتفرج المستمتع بمشاهد النزف الدموي العربي الإيراني)، في الوقت الذي تتحين فيه الفرصة للإجهاز على إيران وإعادة تشكيل المنطقة كما تحلم به تاريخياً وبما يتيح لها الظرف إخضاع الجميع وفي مقدمتهم العرب لعدد من السيناريوهات والتطبيع. هنا تكمن عبثية الصراع بين عرب الإقليم وإيران، فلو كانت هناك منظومة عربية مستقرة للعلاقات فيما بينهم وقواعد مشتركة في عدم التدخل وحسن الجوار وتمييع الخلافات ومعالجة الأزمات، لكان من الصعب على إسرائيل أو إيران تحويل التناقضات الموجودة في المنطقة إلى (حروب مفتوحة).
وخلافاً لهذا استنزف العرب وإيران عقوداً في محاولة تغيير ميزان القوى لمصلحة أحدهما ولكن دون تحقيق نجاح ملموس. وبعد تسلم نظام العراق سياسياً حزب البعث وتمديد استمرارية الإيمان (بالعقيدة والأمن القومي العربي) باتت إيران في مراحلها الأولية للفشل في إخضاع المحيط العربي لما تهدف إليه، وأصبح نظام العراق هو السياج الواقي لمشاريع إيران وفي مقدمتها (التحريض العقائدي الطائفي وتأجيج نعرة الأقلية). أما العرب خارج إطار العراق ومذهبيته السياسية في وحدة العرب لم يحققوا تقدماً في أمنهم من خلال موقف السلطة في العراق وقوة ترسانتها العسكرية، لكنهم انتظروا تغيير النظام في إيران ولم تكن هي الحقيقة التي هدفوا لها بسبب عدم قراءتهم لما يجري في المستقبل.
أما العالم فلم ينتظر وصول المنطقة لحالها خاصة بعد الغزو الأمريكي لبغداد، بل تحرك لإيجاد بدائل (الطاقة والجغرافيا) وخاصة في الصفحة الثانية من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وبروز (الظاهرة الخانقة مضيق هرمز). الأمر الذي منح مستوردي الطاقة حافزاً أكبر للبحث عن البدائل لنفط المنطقة وتجاوز أزمة (هرمز الورقة الرابحة بيد إيران). إن قراءة المحفل الدولي لأزمة مضيق هرمز دعت التفكير إلى بلورة الموضوع وتناول باب المندب وخليج عمان عوامل للمناورة وتعميق الصراعات الإقليمية والدولية أدى إلى ازدياد الجدوى الاقتصادية للاستثمار في طرق بديلة.
وكلما اتسعت رقعة ونطاق الحرب ارتفعت أقساط التأمين وكلفة النقل والاستثمار وتراجعت (جاذبية المنطقة كونها مركزاً عالمياً للأعمال والتجارة). وبمعنى آخر أن دول الإقليم العربي وإيران لا يدفعون فقط كلفة صراعهم بل يمولون بصورة غير مباشرة عملية البحث عن بدائل عنهم وهذا هو (الانتحار الحقيقي).
إيران المتغطرسة تحتاج إلى تغيير عميق في أيديولوجيا مفاهيمها (الأمن الإقليمي) والعودة للنظر في ما تحقق وما لم يتحقق من بناء شبكات وتنظيمات عسكرية تستفز بها دول الإقليم واستدامة أوراق النفوذ الطائفي داخل مجتمعات دول العرب وتطوير قدراتها النووية المرعبة والتي تثير مخاوف جيرانها العرب بلا ردع مستمرة في مشروع الإنتاج والتصنيع والمراهنة على دور شعبها العاشق للحرية والمخنوق بعقيدة الملالي الخمينية. ومن منطلق خلفي تحتاج دول الجوار العربي لجمهورية إيران الإسلامية أن تستوعب حقيقة جغرافية وسياسية هي (إيران)! وأنها ليست مشكلة مؤقتة يمكن حلها بالمفاوضات أو العقوبات أو الحرب وإنما بالتغير الديموغرافي لعقلية داخل الفعل الإيراني الشعبي.
الخلاصة للمقالة أن يدرك العرب في الإقليم أنه (لن يصبح العرب وإيران حلفاء) ولا عقارب الساعة تنظم بصور عكسية، فما تهدف إليه إيران هو عكس ما تهدف له دول الإقليم العربي! العرب يريدون من إيران الدولة الواسعة أن تتحلى بنظام لا يخلق الأرق لهم وعليها أن تبدأ ببناء هذا النظام الجاهلي وكأنه من مخلفات الحرب العالمية الثانية وعهد الإمبراطورية العثمانية… لقد ولي الإدبار.
إن كلفة الصراع في جغرافية لا تتغير أصبحت أكبر من أي مكاسب متوقعة منه! والوقت والزمن سيحدد نظرية التسابق الإيراني في التوصل إلى (صيغ الاستحواذ بدلاً من صيغ التعايش). وربما يدعو العالم إما للاستنفار الحربي أو الاستغناء عن العلاقات. العالم يتحرك بسرعة فلا مكان للسكون أو الانتظار!
أ.د. طارق السامرائي / بريطانيا
