17 يونيو، 2026 - 8:13 مساءً
مقالات وآراء

أ. د. محمد طاقة يكتب.. الحوثيون أداة إيران وورقة الغرب في تمزيق اليمن

أ. د. محمد طاقة يكتب

يمر اليمن منذ اكثر من عقد من الزمن بواحدة من اكثر الأزمات تعقيداً في تاريخه الحديث ، حيث تحول من دولة تبحث عن الديمقراطية بعد الربيع العربي إلى ساحة صراع إقليمي ودولي تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى والإقليمية .

في قلب هذا المشهد الدموي برزت حركة الحوثيين – التي تعرف رسمياً باسم ( أنصار الله) ، كقوة انقلابية مسلحة استولت على العاصمة صنعاء عام (2014) ، وادخلت البلاد في دوامة من الحرب والفقر والانقسام .

غير ان فهم حقيقة الحوثيين لايكتمل إلا عبر تحليل خلفيتهم المذهبية ، وصلاتهم بايران ، والدور الذي تلعبه القوى العربية في الإبقاء عليهم كأداة ضغط دائمة في واحدة من اهم مناطق العالم الجيو سياسي .

تعود نشأة الحوثيين إلى تسعينات القرن الماضي في محافظة صعدة شمال اليمن ، على يد ( حسين بدر الدين الحوثي ) ، الذي اسس حركة دينية ذات طابع زبدي معارض للنفوذ السعودي والأمريكي ، بعد مقتل مؤسسها عام (2004)تولى القيادة اخوه ( عبد الملك الحوثي) الدي حول الحركة إلى تنظيم سياسي عسكري يحمل خطاباً طائفياً واضحاً ويستلهم شعارات الثورة الإيرانية مثل (( الموت لأمريكا ، الموت لاسرائيل، اللعنة على اليهود ، النصر للإسلام )) ، وبمرور الوقت ، توسعت الجماعة من مجرد حركة احتجاجية إلى قوة مسلحة سيطرت على العاصمة صنعاء ،واجبرت الحكومة الشرعية على الهروب إلى عدن ، ثم الرياض ، ومنذ ذلك الحين ، يعيش اليمن حالة حرب اهلية واقليمية مدمرة .

يشكل الحوثيون أقلية مذهبية تنتمي إلى الزيدية التي تنتشر في بعض مناطق الشمال ، خصوصاً صعدة وعمران وحجة وأجزاء من صنعاء ، في المقابل ، يرفض معظم سكان اليمن خاصة في الجنوب وتعز ومأرب , هيمنتهم ، معتبرينهم جماعة انقلابية مسلحة تمثل مشروعاً طائفيا ًيهدد وحدة البلاد .

لقد فرض الحوثيون سيطرتهم بالقوة والسلاح ، لا عبر الشرعية الشعبية ، واستخدموا سياسة القمع والتجويع والابتزاز المالي ، مستغلين مؤسسات الدولة لتمويل حربهم وإخضاع القبائل والمجتمعات المحلية .

العلاقة بين الحوثيين وايران ليست مجرد تحالف سياسي ، بل هي علاقة تبعية استراتيجية بامتياز ، فمنذ مطلع الألفية الثالثة ، تبنت طهران الحوثيين كذراع عسكري جديد ضمن مشروعها الإقليمي المعروف باسم الهلال الشيعي ، الذي يمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت ، وقدمت لهم الدعم عبر ، التمويل والتسليح (( صواريخ ، طائرات مسيرة ، خبراء من الحرس الثوري )) .

الإعلام والتعبئة العقائدية من خلال قنوات ومنابر تابعة لايران وحزب الله وكذلك الدعم السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية لإضفاء الشرعية على وجودهم .

وتهدف ايران من ذلك إلى امتلاك قاعدة على البحر الأحمر وبالقرب من باب المندب ، ما يتيح لها التأثير على تجارة النفط العالمية وتهديد امن الملاحة الدولية متى تشاء .

منذ بداية الحرب في اليمن ، أعلنت الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا دعمهما ل ( التحالف العربي) بقيادة السعودية ضد الحوثيين ، لكن الواقع الميداني اثبت ان هذا الدعم لم يكن حاسما ، بل اتسم بالتردد والغموض ، ورغم التفوق العسكري الهائل للتحالف ، فإن الحوثيين لم يهزموا ، والسبب يعود إلى ان القوى الغربية لا تريد حسم الصراع بل تسعى إلى ادارته بما يخدم مصالحها الاستراتيجية . امريكا وبريطانيا وإسرائيل ، تستفيد من استمرار الحرب لعدة اسباب :
1- إنهاك السعودية والإمارات اقتصادياً وعسكرياً ، وإبقائها في حاجة دائمة للسلاح والدعم الغربي .
2- استخدام الحوثيين كورقة ضغط على ايران في مفاوضات النووي والملفات الإقليمية
3- إبقاء البحر الأحمر وباب المندب تحت تهديد دائم يبرر الوجود العسكري الغربي في المنطقة
4- منع اليمن من ان تتحول إلى دولة مستقلة قوية قادرة على التحكم في واحدة من اهم الممرات المائية في العالم .

يسيطر الحوثيون اليوم على مناطق ساحلية استراتيجية اهمها الحديدة ، ويملكون القدرة على تهديد الملاحة في باب المندب الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية ونفط الخليج إلى أوربا . هذا الموقع يمنحهم ورقة مساومة ضخمة بيد ايران ، التي يمكنها من خلالهم تعطيل الملاحة او استهداف السفن الاسرائيلية والغربية ، ومع ذلك لا تتحرك القوى الكبرى بشكل جاد لأزاحتهم ، لانها ترى في وجودهم توازناً مفيداً في لعبة النفوذ بالمنطقة .
ان جماعة الحوثي ليست ظاهرة يمنية محضة ، بل نتاج مشروع خارجي تقوده ايران وتغض عنه القوى الغربية الطرف ، لانه يخدم مصالحها في استمرار الفوضى والسيطرة غير المباشرة على المنطقة .
لقد تحول اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية ودولية ، والضحية الكبرى هو الشعب اليمني الذي يعاني من الفقر والمجاعة وانهيار الدولة .
وما لم يتم تحييد هذه القوى واعادة بناء دولة يمنية وطنية مستقلة ، سيظل الحوثيون اداة بيد طهران ، وورقة بيد واشنطن ولندن وتل ابيب ، لتفتيت اليمن واضعاف الامة العربية باكملها .

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=88279