13 أغسطس، 2026 - 4:18 مساءً
مقالات وآراء

أزمة الهوية والانتماء في العراق… عندما يُستبدل الوطن بالمرجعية العابرة للحدود

ضياء الصفار

safar

لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الدولة الحديثة لا تستقر إلا عندما تتقدم رابطة المواطنة على جميع الروابط الفرعية، سواء كانت دينية أو مذهبية أو عرقية أو قبلية. فكلما أصبح الانتماء إلى جماعة ما أقوى من الانتماء إلى الوطن، بدأت الدولة تفقد قدرتها على احتكار القرار والسيادة، وتتحول إلى ساحة تتنازعها الولاءات المتعددة.

ومن هنا، فإن معضلة الثنائية بين الانتماء الوطني والولاء العقائدي العابر للحدود تُعد من أعقد الظواهر السياسية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة العربية اليوم، وتبرز بأوضح صورها في المشهد العراقي المعاصر ، الذي أسسه الأحتلال الأمريكي الأطلسي للعراق عام 2003 ، ومن ثم تسليمه على طبق من ذهب إلى إيران التي وجدت فيها فرصة ذهبية عظيمة يجب أستغلالها لبسط نفوذها وهيمنتها المطلقة على العراق وقراره وإستلاب إرادة شعبه .

فحين يقف جزء من أبناء الوطن الواحد متخلين عن هويتهم الوطنية والقومية لصالح الولاء المطلق لمنظومة سياسية ودينية خارج الحدود، يبرز سؤال مشروع ومؤلم في آن واحد وهو : كيف لمن وُلد على أرض العراق، ونهل من خيراته، وتكوّنت شخصيته في بيئته وتاريخه، أن يتجرد من انتمائه الوطني، فيرفع أعلاماً أجنبية (إيرانية) ويقدّم مصالح بلد ونظام آخر على مصلحة وطنه؟

إن ما يشهده العراق اليوم من هيمنة أحزاب وفصائل مسلحة ترتبط عقائدياً وتنظيمياً بمفهوم “ولاية الفقيه” الإيراني، لا يمثل مجرد ظاهرة سياسية مُخربة عابرة، بل يُعد النموذج التطبيقي الأوضح لتآكل مفهوم الدولة الوطنية لصالح ما يمكن تسميته بـ”العصبية العقائدية العابرة للوطن”.

وفي الفكر السياسي الحديث، تُبنى الدولة على أساس الدستور بوصفه “العقد الاجتماعي” الذي يربط المواطن بدولته عبر منظومة متوازنة من الحقوق والواجبات، بحيث يكون الولاء الأول والأخير للوطن ومؤسساته الدستورية. كما أن مبدأ السيادة يفترض وجود مرجعية سياسية واحدة تحتكر القرار العام، فلا يمكن أن تتعايش داخل الدولة مرجعيتان سياسيتان متوازيتان دون أن يؤدي ذلك إلى قيام دولة داخل الدولة، وهو ما يقوض مفهوم السيادة ذاته.

غير أن الواقع العراقي يعكس انقلاباً جذرياً على هذا المفهوم؛ إذ لا تنظر بعض القوى المهيمنة إلى العراق باعتباره غايةً ينبغي حمايته وبناؤه، بل باعتباره ساحةً وظيفية تُسخَّر لخدمة مشروع أيديولوجي أوسع يمتد خارج حدوده. وهنا يتحول الولاء من علاقة تعاقدية بين المواطن ودولته إلى طاعة عقائدية مقدسة، لا تعترف بالحدود السياسية، ولا تُخضع قراراتها لمصلحة العراق والشعب العراقي، بل تجعل الالتزام بالمركز الخارجي واجباً دينياً يسمو على مقتضيات السيادة الوطنية بصيغة الطاعة العمياء والانبطاح يرتقي إلى مستوى العمالة والإرتهان للقرار الإيراني الذي يخدم بالنتيجة المشروع الإيراني في العراق والمنطقة

إن الانحسار الظاهر لروح المواطنة لدى هذه الجماعات ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مسارات طويلة من التنشئة السياسية والأيديولوجية الموازية، التي عملت على إعادة تشكيل الوعي والهوية عبر آليات متعددة، من أبرزها:

أولاً: إعادة هندسة الهوية.

فقد جرى تصوير الولاء للدولة الوطنية بوصفه انتماءً قاصراً أو محدوداً، في حين رُفع الارتباط بالمرجعية الخارجية إلى مرتبة “التكليف الشرعي” الأسمى. ووفقاً لما تطرحه “نظرية الهوية الاجتماعية”، فإن هذا النمط من التنشئة يؤدي إلى تفضيل الجماعة العقائدية على المجتمع الوطني، وإعادة تعريف الذات من خلال الانتماء الأيديولوجي بدلاً من الانتماء إلى الوطن.

ثانياً: إعادة تشكيل الوعي النفسي.

ولا يقتصر الأمر على البعد السياسي، بل يمتد إلى البعد النفسي؛ إذ تؤدي عمليات التعبئة الأيديولوجية المستمرة إلى إعادة تشكيل إدراك الفرد، بحيث تصبح الجماعة العقائدية هي مصدر الهوية والشرعية والانتماء، بينما يتراجع الوطن إلى مرتبة ثانوية. وعند هذه المرحلة يصبح الدفاع عن المشروع الخارجي دفاعاً عن الذات في نظر المنتمي إليه، حتى وإن تعارض ذلك مع مصالح وطنه.

ثالثاً: الارتباط الهيكلي والاقتصادي.

ولا تقف التبعية عند حدود الفكر والعقيدة، بل تعززها شبكات واسعة من المصالح المالية والعسكرية والتنظيمية المرتبطة عضوياً بالدولة الراعية (إيران ) ، وعندئذ تصبح هذه الفصائل رهينةً لوجودها الخارجي، ويغدو استقلال قرارها الوطني أمراً بالغ الصعوبة، لأن انفصالها عن ذلك المركز يعني فقدان مصادر قوتها ونفوذها.
ولعل ما يجعل الحالة العراقية أكثر خطورة هو أن تغليب الولاء الخارجي لم يعد يُمارس في الخفاء، بل أصبح يُعبَّر عنه علناً، من خلال التعبئة السياسية والعسكرية والإعلامية دفاعاً عن النظام الإيراني، في مقابل إضعاف مؤسسات الدولة العراقية، والطعن بهيبتها، وتهديد سلطتها، وصولاً إلى مشاهد مستفزة يُهمَّش فيها العلم العراقي ورموزه الوطنية، بينما تُرفع شعارات ورموز إيران داخل العراق.

وهذا السلوك يضع الشارع العراقي أمام حالة دائمة من الدهشة والاستغراب؛ فالشعب الذي قدّم مئات الآلاف من الشهداء والجرحى دفاعاً عن سيادة بلاده خلال الحرب العراقية الإيرانية، وانتهت تلك الحرب عام 1988 بقبول إيران قرار وقف إطلاق النار، وهو القرار الذي وصفه خميني بنفسه بأنه “تجرع كأس السم”، يجد نفسه اليوم أمام مفارقة مؤلمة، تتمثل في أن بعض من يحملون الهوية العراقية الرسمية يقدّمون الولاء السياسي والعقائدي لإيران على حساب وطنهم وتاريخه ومصالح شعبه.
إن ما يعانيه العراق اليوم لا يقتصر على أزمة سياسية أو أمنية، بل هو أزمة وجودية عميقة تتمثل في الصراع بين “فكرة الوطن” و”فكرة الإمبراطورية العقائدية”. فحين تتراجع الهوية الوطنية أمام الهويات العابرة للحدود، تصبح الدولة أضعف من أن تمثل جميع مواطنيها، ويتحول المجتمع إلى فسيفساء من الولاءات المتنافسة، بما يهدد وحدة البلاد واستقرارها ومستقبلها.
ومن هنا، فإن استعادة الدولة العراقية لا تبدأ بالإجراءات الأمنية وحدها، بل بالتغيير الشامل للمنظومة الحاكمة وإلغاء كل قراراتها ودستورها الملغوم وبإعادة بناء الهوية الوطنية الجامعة، وترسيخ ثقافة المواطنة، وإصلاح المنظومة التعليمية والثقافية، وحصر السلاح بيد الدولة، وتجريم أي ولاء سياسي أو عسكري يتجاوز حدود السيادة الوطنية، بما يعيد الاعتبار للدستور الذي يتم إقراره من الشعب العراقي بوصفه المرجعية العليا لجميع العراقيين.

إن الأمم لا تنهض إلا عندما يصبح الوطن هو المرجعية العليا التي تتقدم على جميع الانتماءات الأخرى. أما حين يتقدم الولاء العابر للحدود على الولاء للدولة، فإن الوطن يفقد وحدته، وتتحول مؤسساته إلى أدوات في صراعات الآخرين. ومن هنا، فإن معركة العراق الحقيقية اليوم ليست معركة حدود أو موارد، بل معركة استعادة الهوية الوطنية، وترسيخ مفهوم المواطنة، وبناء دولة يكون ولاء أبنائها للعراق أولاً وأخيراً، ليعود العراق وطناً سيداً مستقلاً، لا ساحةً لتصفية الحسابات أو تنفيذ مشاريع الآخرين.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=94505