15 يوليو، 2026 - 10:25 صباحًا
سليدرمقالات وآراء

النجاح في غزة… حين يكون العطاء أعظم من المقابل

بقلم: المستشار/ فادي حسين محمد أبو شاويش

في أحد صباحات غزة، كان هدير الطائرات يعلو على كل الأصوات، وكانت الشوارع تحمل آثار أيامٍ ثقيلة عاشها الناس بين الخوف والانتظار. ومع ذلك، كان هناك من ينهض مبكرًا، يحمل حقيبته، ويغادر منزله متجهًا إلى موقع عمله، لا لأنه ينتظر مكافأة، ولا لأنه يبحث عن منفعة شخصية، بل لأنه يؤمن بأن هناك واجبًا لا يجوز التخلي عنه.
لم يكن بعض هؤلاء مرتبطين بعقد عمل، ولم يكونوا ينتظرون راتبًا في نهاية الشهر، لكنهم اختاروا أن يكونوا في مواقع المسؤولية بدافع الأمانة والضمير والانتماء لخدمة الإنسان. كانوا يدركون أن وجودهم قد يصنع فرقًا في حياة شخص يحتاج إلى مساعدة، أو طفل يحتاج إلى رعاية، أو أسرة تنتظر من يخفف عنها قسوة الظروف.
هذه الصورة ليست قصة فرد واحد، بل مشهد من واقع عاشه ويعيشه كثيرون في غزة؛ أناس جعلوا من الواجب قيمة أعلى من المقابل، ومن العطاء موقفًا إنسانيًا قبل أن يكون وظيفة أو مهنة.
لقد اعتاد العالم أن يربط النجاح بالمال، والمناصب، والشهرة، والإنجازات المادية، لكن الأزمات الكبرى تكشف لنا تعريفًا أعمق للنجاح. فالنجاح الحقيقي يظهر عندما يختار الإنسان الصواب في أصعب الأوقات، ويحافظ على رسالته رغم غياب الحوافز، ويقدم ما يستطيع لأن ضميره يملي عليه ذلك.
إن العمل بدافع المسؤولية والإيمان بالرسالة يحتاج إلى قناعة عميقة بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يأخذه فقط، بل بما يتركه من أثر. فهناك أشخاص لا تُسجل أسماؤهم في عناوين الأخبار، ولا تُسلط عليهم الأضواء، لكن أعمالهم اليومية تكتب قصصًا من النبل الإنساني لا تقل قيمة عن أي إنجاز كبير.
إن أعظم ما تكشفه هذه النماذج ليس فقط قوة التحمل، بل قوة القيم. فالإنسان عندما يحمل الأمانة في قلبه قبل موقعه، فإنه يثبت أن المجتمعات لا تُبنى بالأنظمة والقوانين فقط، بل تُبنى أيضًا بأشخاص يجعلون من المسؤولية سلوكًا ومن الإنسانية طريقًا.
ولم تكن المرأة الغزية بعيدة عن هذا المشهد؛ فقد كانت حاضرة في ميادين المسؤولية والعطاء، تحمل أعباء الأسرة، وتدعم أبناءها، وتشارك في العمل الإنساني والمجتمعي، لتثبت أن النجاح لا يرتبط بالقوة الجسدية فقط، بل بقدرة الإنسان على الصمود وصناعة الأمل في أصعب الظروف. فالمرأة التي تواصل أداء دورها رغم التحديات هي نموذج حي لمعنى الواجب حين يصبح العطاء رسالة.
في غزة، برزت معانٍ جديدة للنجاح؛ نجاح الطبيب الذي يواصل أداء رسالته، والمعلم الذي يحافظ على التعليم، والمتطوع الذي يمد يد العون، والعامل الذي يبقى حاضرًا لخدمة الناس، وكل إنسان اختار أن يكون جزءًا من الحل بدل أن يستسلم لحجم الأزمة.
فالنجاح ليس دائمًا أن تصل إلى مكانة أعلى، بل أحيانًا أن تبقى ثابتًا على مبادئك عندما تصبح الطريق شاقة. وليس النجاح أن تعمل عندما تكون الظروف مريحة فقط، بل أن تواصل العطاء عندما تحتاج الإنسانية إلى من يحمل رسالتها.
لقد علمتنا غزة أن الإنسان قد يفقد الكثير من الأشياء، لكنه يستطيع أن يحتفظ بأغلى ما يملك: ضميره، وإنسانيته، وإيمانه بأن الخير لا يتوقف عند غياب المكافأة. فالقيمة الحقيقية للعمل تأتي من الرسالة التي يحملها ومن الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين.
وفي النهاية، فإن النجاح ليس مجرد هدف نصل إليه، بل هو أسلوب حياة نختاره كل يوم؛ أن نؤدي الأمانة بإخلاص، ونحترم مسؤولياتنا، ونكون نافعين للآخرين حتى في أصعب الظروف.
ومن غزة، يخرج درس إنساني إلى العالم كله: أن أعظم أشكال النجاح هو أن يبقى الإنسان إنسانًا، وأن يختار العطاء عندما يكون الأخذ أسهل، وأن يجعل من الواجب والضمير طريقًا يضيء دربه ودرب الآخرين.
ففي زمن الشدائد لا تُقاس قيمة الإنسان بما يملك، بل بما يمنحه من خير، ولا تُخلّد المواقف بما تحققه من مكاسب، بل بما تتركه من أثر في قلوب الناس.

فلسطين – غزة 🇵🇸
الأربعاء 15 يوليو/تموز 2026

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93805