8 يوليو، 2026 - 11:28 صباحًا
مقالات وآراء

دَرْسٌ فِي النَّزَاهَةِ… وَنَظَافَةِ الْيَدِ..!! بقلم/ د. عبد الرحيم الشويلي

فِي وَقْتٍ يَضُجُّ فِيهِ الْعِرَاقُ بِأَخْبَارِ الْفَسَادِ، وَتَتَوَالَى فِيهِ إِعْلَانَاتُ الْمُطَارَدَاتِ وَالِاعْتِقَالَاتِ، وَتَتَكَشَّفُ كُلَّ يَوْمٍ صُوَرٌ تُصَدِّمُ الْعُقُولَ قَبْلَ الْأَبْصَارِ، يَبْقَى مِنَ الْحِكْمَةِ أَلَّا نَتَعَجَّلَ الْحُكْمَ عَلَى هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ، فَالْحَرْبُ لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ، وَلَمْ تَضَعْ أَوْزَارَهَا، وَالنَّتَائِجُ لَا تُقَاسُ بِضَجِيجِ الْبِدَايَاتِ، بَلْ بِصِدْقِ النِّهَايَاتِ.
وَلَكِنَّ مَا يُثِيرُ الْحُزْنَ حَقًّا هُوَ أَنَّ الْفَسَادَ لَمْ يَعُدْ رَقْمًا فِي تَقْرِيرٍ، بَلْ أَصْبَحَ مَشَاهِدَ سُرْيَالِيَّةً تُذْهِلُ الْمُخَيِّلَةَ؛ مِلْيَارَاتُ الدُّولَارَاتِ، وَتِرْلِيُونَاتُ الدَّنَانِيرِ، تُنْتَزَعُ مِنْ جُدْرَانِ الْبُيُوتِ، وَمِنْ سُقُوفِهَا، وَتُسْتَخْرَجُ مِنْ بَاطِنِ الْأَرْضِ، وَمِنَ الْمَزَارِعِ، وَحَتَّى مِنْ مَجَارِي الصَّرْفِ الصِّحِّيِّ، بَيْنَمَا أُخْفِيَ بَعْضُهَا فِي قَنَانِي الْمِيَاهِ، وَأُحْرِقَ بَعْضُهَا الْآخَرُ فِي التَّنَانِيرِ الْحَجَرِيَّةِ. وَكَأَنَّ الْمَالَ الْعَامَّ أَصْبَحَ غَنِيمَةً لِمَنْ غَابَ عَنْهُ الضَّمِيرُ، وَتَجَرَّدَ مِنْ أَبْسَطِ مَعَانِي الْوَطَنِيَّةِ.
وَبَيْنَمَا كُنْتُ أُقَلِّبُ هَذِهِ الْمَشَاهِدَ الْمُؤْلِمَةَ، اسْتَوْقَفَنِي قَوْلٌ لِلْفَيْلَسُوفِ وَعَالِمِ الِاقْتِصَادِ Adam Smith، أَبِي الِاقْتِصَادِ الْحَدِيثِ:
“لَا يُمْكِنُ لِمُجْتَمَعٍ أَنْ يَزْدَهِرَ وَيَكُونَ سَعِيدًا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُعْظَمُ أَفْرَادِهِ نُزَهَاءَ وَمُحْتَرَمِينَ.”
مَا إِنْ أَنْهَيْتُ قِرَاءَةَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ حَتَّى عَادَتْ بِي الذَّاكِرَةُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ إِلَى الْوَرَاءِ، إِلَى حَادِثَةٍ بَسِيطَةٍ فِي ظَاهِرِهَا، لَكِنَّهَا مَا زَالَتْ تَسْكُنُ ذَاكِرَتِي كَوَاحِدٍ مِنْ أَجْمَلِ الدُّرُوسِ فِي النَّزَاهَةِ وَاحْتِرَامِ الْمَالِ الْعَامِّ.
بَعْدَ أَنْ أَنْهَيْتُ خِدْمَتِي الْعَسْكَرِيَّةَ الْإِلْزَامِيَّةَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ سَبْعِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي، عُدْتُ إِلَى وَظِيفَتِي فِي دَائِرَةِ الِاسْتِيرَادِ بِإِحْدَى مُؤَسَّسَاتِ وِزَارَةِ التِّجَارَةِ، الَّتِي كَانَتْ تُعْنَى بِاسْتِيرَادِ الْحَدِيدِ وَالْأَخْشَابِ وَالْمَوَادِّ الْإِنْشَائِيَّةِ.
وَكَانَ الْعِرَاقُ يَعِيشُ آنَذَاكَ وَرْشَةَ بِنَاءٍ كُبْرَى بَعْدَ تَأْمِيمِ النَّفْطِ وَازْدِيَادِ إِيرَادَاتِ الدَّوْلَةِ، فَتَدَفَّقَتِ الْمَوَادُّ الْمُسْتَوْرَدَةُ بِكَمِّيَّاتٍ هَائِلَةٍ، وَافْتُتِحَتْ مَخَازِنُ جَدِيدَةٌ فِي أَطْرَافِ بَغْدَادَ لِاسْتِيعَابِهَا، وَكُنْتُ أَنَا وَعَدَدٌ مِنْ زُمَلَائِي مِنْ ضِمْنِ الْمُنْتَقِلِينَ إِلَيْهَا.
كَانَ الْعَمَلُ يَسْتَمِرُّ لَيْلًا وَنَهَارًا دُونَ تَوَقُّفٍ. وَكَانَ الْعُمَّالُ يُؤَدُّونَ وَاجِبَهُمْ بِإِخْلَاصٍ نَادِرٍ، تَحْتَ شَمْسٍ لَاهِبَةٍ، وَفِي مَخَازِنَ مَكْشُوفَةٍ لَا سُقُوفَ لَهَا، لَا يَعْرِفُونَ مِنَ الرَّاحَةِ إِلَّا اسْمَهَا.
وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، زَارَنَا الْمُدِيرُ الْعَامُّ، الْمَرْحُومُ رِيَاضُ مُحَمَّدٌ صَالِحٌ، وَكَانَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَتَرُكُونَ أَثَرَهُمْ بِأَخْلَاقِهِمْ قَبْلَ مَنَاصِبِهِمْ، وَبِنَزَاهَتِهِمْ قَبْلَ قَرَارَاتِهِمْ.
تَأَمَّلَ الْعُمَّالَ وَهُمْ يُكَابِدُونَ الْعَمَلَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ قَائِلًا:
“أُرِيدُ أَنْ أُكَرِّمَهُمْ بِشَيْءٍ بَسِيطٍ… فَمَاذَا تَقْتَرِحُ؟”
اقْتَرَحْنَا أَنْ تَكُونَ وَلِيمَةُ غَدَاءٍ مُتَوَاضِعَةٌ.
فَابْتَسَمَ وَقَالَ:
“اصْرِفْ مِنْ صُنْدُوقِ النَّثْرِيَّةِ مِئَتَيْ دِينَارٍ، وَاشْتَرُوا لَهُمُ الدَّجَاجَ… وَهَنِيئًا لَهُمْ.”
وَفِعْلًا نُفِّذَ الْأَمْرُ، وَكَانَ الْمَبْلَغُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَافِيًا لِإِقَامَةِ مَأْدُبَةٍ شَمِلَتْ جَمِيعَ الْعَامِلِينَ.
وَبَعْدَ يَوْمَيْنِ، ذَهَبْتُ إِلَى مَقَرِّ الشَّرِكَةِ فِي الْكَرَّادَةِ؛ لِاسْتِرْدَادِ الْمَبْلَغِ الْمُسَجَّلِ عَلَى ذِمَّتِي، وَأَنَا أَحْمِلُ مُوَافَقَةَ الْمُدِيرِ الْعَامِّ.
غَيْرَ أَنَّ مُدِيرَ التَّدْقِيقِ رَفَضَ صَرْفَ الْمَبْلَغِ، وَقَالَ بِكُلِّ جِدِّيَّةٍ:
“الْمُعَامَلَةُ نَاقِصَةٌ… وَلَا بُدَّ مِنْ تَأْيِيدٍ يُثْبِتُ أَنَّ الْغَدَاءَ قَدْ صُرِفَ فِعْلًا.”
لَمْ أُجَادِلْهُ.
عُدْتُ إِلَى الْمَخَازِنِ، وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي حَمَلْتُ مَعِي رُزْمَةً كَبِيرَةً مِنَ الْأَوْرَاقِ، دُوِّنَتْ فِيهَا أَسْمَاءُ الْعُمَّالِ جَمِيعًا، وَأَمَامَ كُلِّ اسْمٍ تَوْقِيعُ صَاحِبِهِ، وَالْعِبَارَةُ نَفْسُهَا:
“نَعَمْ… أَكَلْتُ نِصْفَ دَجَاجَةٍ.”
دَخَلْتُ عَلَى الْمُدِيرِ الْعَامِّ، فَرَحَّبَ بِي، وَسَأَلَنِي عَنِ الْعَمَلِ وَأَحْوَالِ الْعُمَّالِ، ثُمَّ لَاحَظَ الرُّزْمَةَ بَيْنَ يَدَيَّ، فَقَالَ مُسْتَغْرِبًا:
“مَا هَذِهِ الْأَوْرَاقُ؟”
قُلْتُ مُبْتَسِمًا:
“مُوَافَقَاتُ الْأَكْلِ… يَا سَيِّدِي.”
وَرَوَيْتُ لَهُ الْقِصَّةَ.
فَانْفَجَرَ ضَاحِكًا حَتَّى كَادَ يَقَعُ مِنْ فَوْقِ كُرْسِيِّهِ، ثُمَّ اسْتَدْعَى مُدِيرَ الْحِسَابَاتِ وَمُدِيرَ التَّدْقِيقِ، وَقَالَ لَهُمَا وَهُوَ مَا يَزَالُ يَبْتَسِمُ:
“أَنْجِزُوا الْمُعَامَلَةَ فَوْرًا… وَأَشْكُرُكُمْ عَلَى نَزَاهَتِكُمُ الَّتِي بَلَغَتْ حَدَّ الْإِفْرَاطِ.”
وَخَرَجْتُ يَوْمَهَا وَأَنَا أُدْرِكُ أَنَّ الْأَوْطَانَ لَا تُحْمَى بِالْقَوَانِينِ وَحْدَهَا، بَلْ بِضَمَائِرِ الرِّجَالِ. وَأَنَّ الدَّوْلَةَ الَّتِي يُطَالَبُ فِيهَا الْمُوَظَّفُ بِدَلِيلٍ عَلَى وَلِيمَةٍ ثَمَنُهَا مِئَتَا دِينَارٍ، لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ بِبَالِ أَحَدٍ أَنَّهَا سَتَشْهَدُ يَوْمًا سَرِقَاتٍ تُقَاسُ بِالْمِلْيَارَاتِ.
مَا أَشْبَهَ الْيَوْمَ بِالْبَارِحَةِ… وَمَا أَبْعَدَ الْمَسَافَةَ بَيْنَهُمَا.
وَيَبْقَى الْمَثَلُ الْيَابَانِيُّ صَادِقًا، وَكَأَنَّهُ كُتِبَ لِزَمَانِنَا هَذَا:
“الْغِنَى بِدُونِ نَزَاهَةٍ… فَقْرٌ مُقَنَّعٌ.”
د. عبد الرحيم الشويلي

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93699