ليست الترجمة نقل كلمات فحسب، بل هي نقل روح وثقافة وطريقة تفكير من لغة إلى أخرى. وهنا تبدأ المفارقات الطريفة التي تثبت أن المترجم الحقيقي لا يترجم الكلمات، بل يترجم المعاني.
فمن غرائب اللغة أن “الجوع” في الإنجليزية قد يتحول إلى “عطش” في العربية: He was hungry for knowledge. كان متعطشًا للمعرفة.
فالعربي لا “يجوع” إلى العلم، بل يراه ماءً يروي الروح. ومن طرائفها أيضًا أن كلمة “أكل” قد تتحول إلى “شرب”: He ate the soup. شرب الحساء. فالإنجليزي “يأكل” الحساء، أما العربي فيراه شرابًا أقرب منه إلى الطعام.
وقد يتحول “الضوء” نفسه إلى “ظل”: In the light of current events. في ظل الأحداث الراهنة. فالمهم في الترجمة ليس الكلمة… بل الصورة التي يفهمها المتلقي.
والأطرف من ذلك أن “السخونة” قد تتحول إلى “برودة”: The news warmed my heart. أثلج الخبر صدري. فالإنجليزي يرى الطمأنينة دفئًا، بينما يراها العربي بردًا يهدئ النفس.
وقد يغادر “القلب” مكانه ليجلس “الرأس” بدلًا منه: At the heart of our priorities. على رأس أولوياتنا. فالقلب في الإنجليزية يعني المحور والمركز، بينما يفضل العربي “الرأس” للدلالة على الأهمية.
ومن مفارقات الترجمة أيضًا أن كلمة hear التي تعني “يسمع” قد تتحول إلى “ينظر”: The judge heard the case. نظر القاضي في الدعوى. لأن القاضي لا يسمع فقط، بل يدرس ويحلل ويصدر الحكم.
وأحيانًا يتحول “الوجه” إلى “كرامة”: He lost face. فقد ماء وجهه. فلو ترجمت حرفيًا لفقدت كل معناها. وقد تتحول “اليد” إلى “مساعدة”: Give me a hand. ساعدني.
فالمقصود هنا ليس يدًا حقيقية، بل العون والمساندة. أما الكوارث الحقيقية فتبدأ عندما يصر أحدهم على الترجمة الحرفية. It’s raining cats and dogs. فلو ترجمت كما هي لأصبح المشهد مرعبًا: “إنها تمطر قططًا وكلابًا.” بينما المعنى الحقيقي هو: “المطر غزير جدًا.”
ويحكى أن مترجمًا نقل العبارة: Out of sight, out of mind. إلى: “بعيدًا عن النظر، بعيدًا عن العقل.” ثم أعاد مترجم آخر ترجمتها إلى الإنجليزية، فظهرت بالصورة الكارثية التالية: “Invisible idiot!” أي: “أحمق غير مرئي.”
وهنا ندرك أن الترجمة ليست قاموسًا فقط، بل هي فهم لثقافة الشعوب وصورها الذهنية وأساليبها في التعبير. فالمترجم الناجح لا ينقل الكلمة كما هي، بل ينقل إحساسها وروحها ومعناها الحقيقي. ولهذا كانت الترجمة فنًا راقيًا… لا يجيده إلا من يفهم ما وراء الكلمات…..
بقلمي
د.عبد الرحيم الشويلي
كاتب ومترجم عراقي
مقيم في القاهرة
