تركيا جارة العرب من شمال العراق وسوريا وهي ليست مرحلة تاريخية عابرة انما دولة احتلال لإقليم العرب ما يقارب 400 سنة مدونة لا تقبل الجدل وخصوصيتها مع العراق انها منابع طبيعية لمياهه الدولية .
ومسألة ازمات المياه مع تركيا وايران لم تعد ازمات ذات شأناً بيئياً أو فنياً قابل للإدارة والتفاوض ،بل تحولت الي قضية مصير حاضر ومستقبل ،المسألة في حوض الوجود والكرامة الوطنية وربما القومية في الاعتبارات الجيوسياسية .
والحديث ينصب علي (الفرات المختنق)والذي كان احد اعمدة الحضارة الانسانية ،يتعرض اليوم عمداً الي تقليص اختناقي مقصود ومتعمد خلف سلسلة سدود تركية تدار بسيناريو (عقلية القوة بدلا من عقلية الجوار )وبأسلوب الهيمنة العثماني القديم لا بمنطق الواقع الجغرافي والقانون الدولي لسياسة تقسيم المياه الدولية ).
والحقيقة الواضحة للعيان ان تركيا (لا تدير مواردها المائية)كما تنطق بلسان حالها ،بل تصادر ارادة وحقا تاريخياً لشعبين عربيين في العراق وسوريا ،مستخدمة (سياسة حبس المياه كسلاح صامت للمناورات لا تقل اثاره السلبية فتكا عن السلاح الحربي .هذا السيناريو بات مودة العصر الحديث في أثيوبيا وايران وتركيا واصبح الأمر جزءا من سلاح المعارك الباردة ،وهي (سياسة بلا اخلاق ولا قانون )سياسة اللجوء لها عندما تضييق حلقات الضغط السياسي والتي تمارسها ايران وتركيا موضوع الساعة (سياسة الأمر الواقع )وتبعا لهذا التفكير العنصري تتصرف (انقرة)وسابقتها (طهران )وكأن الانهار النابعة من أراضيها منحة إلهية تختص بها وتتحكم في ادارتها بلا رادع إنساني او واقع قانوني ،وتتصرف الدولتان وكأن نهر الفرات وغيرها انهار تركية ايرانية داخلية ،متجاهلين مبدأ(عدم خلق أضرار جسيمة للدول المتشاطئة ،ومبدأ (الاستخدام العادل والعقلاني والمنصف للمياه المشتركة بقوانين دولية لا تقبل التلاعب ).
كما ان (المسؤولية الاخلاقية )لدولة تزعم احترام القانون الدولي وتعتبر نظامها متحضر وحديث التمدن !
ان الشروع في بناء السدود المانعة لتدفق المياه ضمن قوانين حصص الدول المتجاورة هي (سدود غاب)وليست كما يدعي مشاريع تنموية بريئة ،بل ادوات ضغط جيوسياسي تستخدم عند الحاجة وتغلق سدودها وبواباتها عندما تحين سياسة اخضاع نظام بغداد او دمشق لعصا الطاعة ، في مشهد يعيد للأذهان منطق ((الإمبراطوريات))التركية والإيرانية خالية من سلوك دول حديثة تتبع القانون !
هذا المشهد المعيب من كلا الجانبين ،تركيا وايران والهدف المبيت في تدمير الاقتصاد العراقي وإنتاجه الزراعي ورزقه الغذائي وعطش ارضه وشعبه من حق مكتسب له تحاليله وصناعته المدسوسة .
هو (كارثة مصنعة ومعلوبة تركيا ايرانيا ولا حجة جفاف طبيعي .فما يعانيه وسط وجنوب العراق ليس ناتج (تغييرا مناخياً)فقط ،بل نتيجة مباشرة لتقليص مقصود للانطلاقات المائية وانعدام اتفاقيات ملزمة التطبيق وفرض سياسة فوقية من دول السلطنة علي دول الأضعف سياسياً!
والنتيجة (تصحر انتشاري )وهجرة قسرية وانهيار زراعي وبور أراضي وتهديد للثروة الحيوانية والامن الغذائي.
وكل هذا يحدث بقرار سياسي تركي وايراني متعمد وهادف وبوعي سياسي للنتائج امام نظام ضعيف عراقي لا يحل ولا يربط
وطرح الحجج الواهية وعائديتها الي (قلة الأمطار)او (واقع نسب حجم المياه المنسوبة لكل دولة )او الحق في بناء السدود ) وكما تحاول الزعامات التركية والإيرانية تصويره بطريقة ساذجة وخبيثة .
وتساؤلنا المشروع لماذا تمارس تركيا هذا المشروع والذي سبقته به ايران رغم اختلاف الاستراتيجيات والاهداف وبكل أنماطها ؟لماذا تركيا ؟
بدءأ ذي بدء أن تركيا لها طموحاتها في مثلث العراق سوريا جنوب تركيا ،وهي امتداد لتاريخ الهيمنة في عهد (الدولة العثمانية )ولا زال طموحا استراتيجيا ،بل وتبلورت صياغته بعد خسارة تركيا عضوية الاتحاد الأوربي وتصدع السياسة التركية الأمريكية الاسرائيلية بعد أن كانت في أوج درجات الارتقاء ،يصاحبه عداء ديني طائفي أوربي وتمدد شيعي في المنطقة العربية جزءا من مشروع إيراني واسع قد يقيد استراتيجية تركيا في المحيط الاقليمي العربي الجاذب لكل محاور السياسة الاجنبية الشرقية والغربية .
ان تركيا تعلم حقيقة مرة وهي أن العراق دولة ضعيفة ومنقسمة طائفياً وعرقيا ،ونظامها فاقداً لوسائل الضغط مما يولد فراغاً سياسيا،(ونخبه الحاكمة منشغلة بالصراعات الداخلية ومشاريع التقسيم والتشييع الديني وليس بحقوق الشعب ولا بحقوق أجياله القادمة )
تركيا لو واجهت دولة عراقية كما في زمن الراحل صدام حسين موحدة متماسكة مؤمنة بخطها القطري والقومي وذات سيادة خارجية محترفة وملفا مدولا لما تجرأت في تجاوز حقوقه وسلطته الوطنية .
لم تستطع الدولة العراقية الحالية لا بطريق العنف والمواجهة العسكرية ولا بالفضح والتفاوض الذكي أن تعالج الموقف بل سياسة عدم التحريك والسكوت عن حقوق العراق وشعبه شكلٍ عاراً تاريخيا علي نهجه السياسي الهجيني !
اننا لن نطالب بالحل العسكري بوجود اتفاقيات دولية ورجال حكمة ومفاوضات بل لا ندعو إلي ارتكاب الاخطاء الاخلاقية في عمليات استهداف السدود التركية والتي ربما تشكل( هدية مجانية )لتركيا في تحويل الجاني الي ضحية !
والأسلوب القويم هو فضح السلوك التركي المعوج دوليا وتخصيب اعلام مناهض لهذه السياسة إلا انسانية ولا اخلاقية بوصفهاتهديدا واختراقا وجوديا وتدويل القضية في كل محفل او مؤتمر او لقاء قانوني دولي او بيئوي وبناء تحالفات ايجابية لدحض هذه المشاريع القاتلة ،واستخدام أوراق ضغط اقتصادية وسياسة مشروعة لفضح المشروع .
إن المسؤولية يتحملها نظام العراق الحاكم ولا حجة او ذريعة كونه تحت الاحتلال الامريكي والتدخلات الإيرانية بل ينطلق من كونه نظام مؤسسي .
والموقف عراقي قبل أن يكون تركي ،فلا يمكن للنظام العراقي ان يطالب بحقوقه من جانب ويهدر مياههم جانب آخر
وهل لدي النظام العراقي الحالي القدرة في بث شكواه ويقنع العالم بعدالة قضيته في قانونية تقسيم المياه ؟كيف يستطيع توظيف سياسة الإقناع وهو فقير في مؤهلاته لإدارة شؤون دولة ،نهدر مواردنا المائية ونزرع بلا تخطيط ونستورد بلا خبرة ونترك شبكات الري منهارة
وبالتالي نحكم بمنظومة لا تفهم ((معني الامن المائي)) .
ومجمل التحليل ان تركيا تتحمل مسؤولية اخلاقية وقانونية وانسانية عميقة في حبس وتجفيف مياه نهر الفرات كما تقوم به جارتها ايران رغم اختلاف بعض الأهداف الاستراتيجية،
لكن المأساة ان العراق لم يحول (الجريمة الي قضية )ولا (الظلم الي مطلب قانوني )ولا (العطش لشعبه وزراعته وأرضه الي ملف سيادي ).
الفرات لا يحتاج معركة بالمسيرات والصواريخ وهو ليس أهلاً لها مع تركيا ،بل يحتاج الي وطنية دولة تدافع عن حقها المشروع .
الأزمة الخانقة الثانية لنظام عراق اليوم / (عندما تتحول تركيا من جارة تاريخية للعراق والعرب إلي خصم ورقم صعب !)
📎 رابط مختصر للمقال:
https://alarabportal.com/?p=89153
