أيام قليلة تفصل الشعب السوري عن الذكرى الأولى للانعتاق من النظام السوري البائد، فيما تتواتر الأخبار عن إزالة العقوبات نهائياً، بما فيها قانون قيصر، إلى غير رجعة. هذا الواقع لا يروق لإيران ولا لأدواتها في سوريا وفي محيطها، إذ تعتبر نفسها الخاسر الأكبر، وأن تحرر سوريا وشعبها جاء على حساب نفوذها ومصالحها، لذلك لم تتوقف عن دعم حركات قسد والهجري، وليس آخرها الفلول والشبيحة.
ما شهدته مدن الساحل اليوم من احتجاجات وحراك شعبي في اللاذقية وطرطوس وجبلة لم يكن مفاجئاً، بل جاء ضمن المسار الطبيعي للأحداث. فمن جهة، تواصل قسد مماطلتها في الالتزام باتفاق آذار، ومن جهة أخرى يمضي الهجري وميليشياته الطائفية في اختطاف السويداء وإسكات جميع الأصوات فيها، خدمة للكيان الصهيوني وعداء واضحاً للسوريين. الحملة الإعلامية الضخمة التي ترافق قسد والهجري والفلول ما تزال مستمرة وبقوة، وقد ترافقت أيضاً مع ما جرى اليوم في الساحل وبعض المناطق الأخرى. فالأجواء الداخلية والإقليمية تُدار منذ مدة بما يفتح الباب أمام مثل هذه اللحظة، ومن الطبيعي أنه بعد طرح الحكومة السورية لمنهاجها الجديد المتماشي مع مبدأ السلم الأهلي أن يعبر الناس عن مواقفهم ومطالبهم بطريقة سلمية.
لكن الأهم من توصيف المشهد هو كيفية التعامل مع المرحلة القادمة بدرجة عالية من المسؤولية. فالأيام والأسابيع المقبلة حساسة للغاية، إذ تعد الفترات الانتقالية أو المتوترة بيئة مثالية لمحاولات الاختراق الأمني، سواء عبر افتعال تفجيرات محدودة التأثير لكنها عالية الضجيج، أو إشعال حرائق في أحراج الساحل لإرباك الجهازين الأمني والخدمي معاً، أو تنفيذ عمليات إرهابية تستهدف المدنيين لإحداث صدمة وفوضى، لتنبري لها المنصات الإعلامية الممولة خارجياً بالتضخيم والاستفادة منها في الضغط على الحكومة السورية وربما تهديد السلم الأهلي كله.
من هنا يصبح دور الأجهزة الأمنية محورياً وحساساً، والمطلوب هو عمل احترافي دقيق، فالأولوية اليوم هي حماية الناس، ومراقبة التحركات المشبوهة، ومنع أي طرف داخلي أو خارجي من استغلال التجمعات لصناعة فتنة أو خلق شرخ اجتماعي. وفي المقابل، على الإعلام الوطني والإعلام المقرّب من الدولة أن يتعامل مع الحدث بوعي ومسؤولية. تجنب التجييش الطائفي ليس خياراً، بل ضرورة، لأن اللعب على وتر الهويات في لحظات الاحتقان يخدم فقط من يريد دفع المنطقة نحو السيناريو الأسوأ. تُضخ اليوم الكثير من الأموال والجهود لمحاولة تضخيم المشهد وإظهاره كأنه تحول استراتيجي، بينما الحقيقة أنه أقرب إلى سحابة عابرة ستنقضي كلما تراجع الضخ الإعلامي وتقدم الحل السياسي والاجتماعي.
لا خوف من صوت الناس؛ الخوف فقط من الذين يحاولون استخدام هذا الصوت لإشعال النار. ومع الإدارة الهادئة والحكيمة، ستمر المرحلة كما مرت السنوات العجاف، واقتلع الظلم، وسقط نظام القمع والتسلط، وتحررت سوريا.
