24 يوليو، 2026 - 5:28 مساءً
مقالات وآراء

مِنْ دَفْتَرِ الذِّكْرَيَات (6) مَدْرَسَتَانِ… وَعُمْرٌ وَاحِدٌ.. بين باب الشيخ والرستمية

د. عبد الرحيم الشويلي

أَثَارَنِي قَبْلَ أَيَّامٍ خَبَرٌ بَثَّهُ أَحَدُ البَرَامِجِ فِي إِحْدَى الفَضَائِيَّاتِ عَنِ التَّعْلِيمِ فِي العِرَاقِ، وَجَاءَ فِيهِ:
«وِزَارَةُ التَّرْبِيَةِ: نَحْتَاجُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةِ آلَافِ مَدْرَسَةٍ لِلْقَضَاءِ عَلَى الدَّوَامِ المُزْدَوَجِ، وَتَعْمَلُ الوِزَارَةُ عَلَى إِنْهَاءِ وُجُودِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَدْرَسَةٍ طِينِيَّةٍ وَاسْتِبْدَالِهَا بِأُخْرَى حَدِيثَةٍ، ضِمْنَ خُطَّةٍ لِتَقْلِيلِ النَّقْصِ فِي المَدَارِسِ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ العِرَاقِ.»
وَمَا إِنْ سَمِعْتُ هَذَا الخَبَرَ حَتَّى انْفَتَحَتْ أَمَامِي نَافِذَةُ الذَّاكِرَةِ عَلَى مِصْرَاعَيْهَا، وَعُدْتُ بِقَلْبِي إِلَى عَامِ 1959، عِنْدَمَا بَلَغْتُ السِّنَّ القَانُونِيَّةَ لِدُخُولِ المَدْرَسَةِ، بَعْدَ أَنْ أَتْمَمْتُ حِلْقَةَ حِفْظِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَتَعَلَّمْتُ القِرَاءَةَ وَالكِتَابَةَ فِي أَحَدِ الكَتَاتِيبِ القَرِيبَةِ مِنْ بَيْتِنَا فِي مَحَلَّةِ بَابِ الشَّيْخِ، تِلْكَ المَحَلَّةِ البَغْدَادِيَّةِ العَرِيقَةِ، التِي مَا زَالَتْ تَنْبِضُ بِالحَيَاةِ وَالتَّارِيخِ.
كَانَ مِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ يُسَجِّلَنِي وَالِدِي، رَحِمَهُ اللهُ، فِي مَدْرَسَةِ بَابِ الشَّيْخِ الابْتِدَائِيَّةِ لِلْبَنِينَ، القَرِيبَةِ مِنَ الحَضْرَةِ القَادِرِيَّةِ الكَيْلَانِيَّةِ، لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ هَذَا القَرَارِ فِي اللَّحْظَاتِ الأَخِيرَةِ اسْتِجَابَةً لِرَغْبَةِ وَالِدَتِي، رَحِمَهَا اللهُ، الَّتِي أَصَرَّتْ عَلَى أَنْ أَدْرُسَ فِي المَدْرَسَةِ الَّتِي كَانَ يَدْرُسُ فِيهَا خَالِي فِي مِنْطَقَةِ الرُّسْتُمِيَّةِ، حَيْثُ يُقِيمُ أَهْلُهَا.
وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ القَرَارُ وَلِيدَ الصُّدْفَةِ، بَلْ فَرَضَتْهُ مَخَاوِفُ الأَبَوَيْنِ عَلَى طِفْلِهِمَا الصَّغِيرِ؛ فَمَحَلَّةُ بَابِ الشَّيْخِ كَانَتْ، وَمَا زَالَتْ، تَعُجُّ بِالحَرَكَةِ وَالصَّخَبِ، وَتَكْتَظُّ بِوَرَشِ تَصْلِيحِ السَّيَّارَاتِ وَمَحَالِّ بَيْعِ القِطَعِ الاحْتِيَاطِيَّةِ، فَضْلًا عَنِ السَّيَّارَاتِ وَعَرَبَاتِ الرَّبْلِ التِي كَانَتْ تَمْلَأُ الطُّرُقَاتِ. لِذَلِكَ حَمَلْتُ حَقِيبَتِي الصَّغِيرَةَ، وَذَهَبْتُ إِلَى بَيْتِ خَالِي، لِتَبْدَأَ هُنَاكَ أُولَى خُطُوَاتِي مَعَ العِلْمِ.
فِي الرُّسْتُمِيَّةِ دَخَلْتُ المَدْرَسَةَ الوَحِيدَةَ فِي القَرْيَةِ، حيث أَكْمَلْتُ فِيهَا دِرَاسَتِي حَتَّى الصَّفِّ الخَامِسِ الابْتِدَائِيِّ. وَعِنْدَمَا رَأَى أَهْلِي أَنِّي أَصْبَحْتُ أَقْدَرَ عَلَى مُوَاجَهَةِ طُرُقِ بَابِ الشَّيْخِ، عُدْتُ إِلَى مَدْرَسَتِهَا لِأُكْمِلَ الصَّفَّ السَّادِسَ، وَكَانَ مِنْ تَوْفِيقِ اللهِ أَنْ أَحْصُلَ عَلَى المَرْتَبَةِ الأُولَى فِي امْتِحَانَاتِ البَكَالُورِيَا لِلصَّفِّ السَّادِسِ الابْتِدَائِيِّ عَلَى مَدَارِسِ بَابِ الشَّيْخِ وَالرَّصَافَةِ، عَلَى مَا أَذْكُرُ.
أَمَّا مَدْرَسَتِي الأُولَى في بداية العام الدراسي ، فَكَانَتْ بِنَايَةً قَدِيمَةً مَبْنِيَّةً مِنَ الطِّينِ. وَرَغْمَ أَنَّ اللاَّفِتَةَ الخَشَبِيَّةَ المُعَلَّقَةَ عَلَى وَاجِهَتِهَا كُتِبَ عَلَيْهَا: «مَدْرَسَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ لِلْبَنِينَ»، فَإِنَّهَا كَانَتْ، فِي الوَاقِعِ، مَدْرَسَةً مُخْتَلِطَةً يَدْرُسُ فِيهَا العَدِيدُ مِنَ الفَتَيَاتِ أَيْضًا.
وَفِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ المَاطِرَةِ، كَانَ فَرَّاشُ المَدْرَسَةِ، المَرْحُومُ العَمُّ مَطْرُودُ أَبُو عَبْدِ الزَّهْرَةِ، يَدْخُلُ إِلَيْنَا وَهُوَ يَحْمِلُ طَشْتًا كَبِيرًا، وَيَضَعُهُ فِي وَسَطِ الصَّفِّ لِيَجْمَعَ المِيَاهَ المُتَسَاقِطَةَ مِنْ سَقْفِ الفَصْلِ. وَكُنَّا نَنْظُرُ إِلَيْهِ، أَطْفَالًا صِغَارًا، وَكَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُنْقِذَ مَدْرَسَتَنَا مِنَ الغَرَقِ، فَيَبْقَى ذَلِكَ المَنْظَرُ رَاسِخًا فِي الذَّاكِرَةِ، لا تُزِيلُهُ السِّنُونَ.
وَعَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهَا كَانَتْ تَرْتَفِعُ بِنَايَةٌ جَدِيدَةٌ، مَبْنِيَّةٌ بِالطَّابُوقِ، مُكَوَّنَةٌ مِنْ طَابِقَيْنِ، تَكْتَسِي اللَّوْنَ الأَبْيَضَ النَّاصِعَ. وَكَانَ المُعَلِّمُونَ يَقُولُونَ لَنَا بِابْتِسَامَةٍ: هَذِهِ سَتَكُونُ مَدْرَسَتَكُمْ فِي العَامِ القَادِمِ.
وَبِالفِعْلِ، فِي العَامِ الدِّرَاسِيِّ 1960-1961، انْتَقَلْنَا إِلَيْهَا، وَكَانَتْ، فِي نَظَرِنَا، أَشْبَهَ بِقَصْرٍ جَمِيلٍ. كُنَّا نَلْعَبُ فِي سَاحَتِهَا لُعْبَةَ المَنْضَدَةِ فِي أَوْقَاتِ الفُرْصَةِ، وَكَانَتْ تَضُمُّ قَاعَةً كَبِيرَةً تَصْلُحُ مَسْرَحًا، وَحَدِيقَةً وَاسِعَةً، وَمَقَاعِدَ خَشَبِيَّةً جَدِيدَةً، وَوَسَائِلَ إِيضَاحٍ مُعَلَّقَةً عَلَى جُدْرَانِ الصُّفُوفِ، كَمَا كَانَتْ حَمَّامَاتُهَا نَظِيفَةً عَلَى الدَّوَامِ، وَهُوَ أَمْرٌ لَمْ نَكُنْ نَعُدُّهُ يَوْمَئِذٍ تَفْصِيلًا صَغِيرًا، بَلْ جُزْءًا مِنْ جَمَالِ المَدْرَسَةِ وَهَيْبَتِهَا.
وَلَا تَزَالُ تِلْكَ المَدْرَسَةُ قَائِمَةً حَتَّى اليَوْمِ، غَيْرَ أَنَّهَا أَثْقَلَتْهَا السِّنُونُ، وَأَضْحَتْ رَثَّةً، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ عِدَّةِ عَمَلِيَّاتِ التَّرْمِيمِ وَالتَّجْمِيلِ الَّتِي خَضَعَتْ لَهَا.
وَأَمَّا مَدْرَسَتِي الثَّانِيَةُ، مَدْرَسَةُ بَابِ الشَّيْخِ الابْتِدَائِيَّةُ لِلْبَنِينَ، فَكَانَتْ هِيَ الأُخْرَى تَعْمَلُ بِنِظَامِ الدَّوَامِ الوَاحِدِ، وَظَلَّتْ حَاضِرَةً فِي ذَاكِرَتِي حَتَّى أُزِيلَتْ بِالكَامِلِ فِي ثَمَانِينِيَّاتِ القَرْنِ المَاضِي، ضِمْنَ مَشْرُوعِ تَوْسِعَةِ الحَضْرَةِ القَادِرِيَّةِ الكَيْلَانِيَّةِ.
رَحِمَ اللهُ مَدْرَسَتِي الثَّانِيَةَ، وَحَفِظَ مَدْرَسَتِي الأُولَى مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ.
وَكُلَّمَا سَمِعْتُ اليَوْمَ أَخْبَارًا عَنْ نَقْصِ المَدَارِسِ أَوِ الدَّوَامِ المُزْدَوَجِ، أُدْرِكُ أَنَّ المَدْرَسَةَ لَيْسَتْ جُدْرَانًا وَسُقُوفًا فَقَطْ، بَلْ هِيَ وَطَنٌ صَغِيرٌ يَتَشَكَّلُ فِيهِ الإِنْسَانُ، وَتُكْتَبُ عَلَى مَقَاعِدِهَا أُولَى سُطُورِ العُمْرِ، وَتَبْقَى ذِكْرَيَاتُهَا، مَهْمَا تَبَاعَدَتِ السِّنُونُ، أَجْمَلَ مَا يَحْمِلُهُ القَلْبُ مِنْ حَنِينٍ.
بِقَلَمِ
د. عَبْدِ الرَّحِيمِ الشُّوَيْلِي
القَاهِرَة
25 / تَمُّوز / يُولْيُو / 2026م

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93958