فِي فَجْرِ يَوْمِ الْأَحَدِ، وَقَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ النَّهَارُ عَيْنَيْهِ عَلَى بَغْدَادَ، اسْتَيْقَظَتِ الْمَدِينَةُ عَلَى أَصْوَاتِ الْمُحَرِّكَاتِ الثَّقِيلَةِ، وَهَدِيرِ الدَّبَّابَاتِ، وَأَرْتَالِ الْعَرَبَاتِ الْمُسَلَّحَةِ وَهِيَ تَشُقُّ شَوَارِعَ الْعَاصِمَةِ بِوُجُوهٍ عَابِسَةٍ وَخُطًى مُتَوَثِّبَةٍ. بَدَتِ الْمَشَاهِدُ وَكَأَنَّهَا إِعْلَانُ حَرْبٍ كُبْرَى، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَرْبًا ضِدَّ جَيْشٍ غَازٍ، وَلَا ضِدَّ عَدُوٍّ يَتَرَبَّصُ عَلَى الْحُدُودِ، بَلْ ضِدَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَحَوَّلُوا عَلَى مَدَى السِّنِينَ إِلَى إِمْبِرَاطُورِيَّاتٍ لِلنَّهْبِ وَالْفَسَادِ.
تَوَجَّهَتِ الْقُوَّاتُ النُّخْبَوِيَّةُ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا وَحَدَاتٌ مُنْتَخَبَةٌ مِنَ الْأَجْهِزَةِ الْأَمْنِيَّةِ، نَحْوَ بُيُوتِ وَمَقَرَّاتِ مَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِمُ الشَّعْبُ الْعِرَاقِيُّ اسْمَ «حِيتَانِ الْفَسَادِ». أُولَئِكَ الَّذِينَ أَكَلُوا خُضْرَةَ الْبِلَادِ وَيُبْسَهَا، وَحَوَّلُوا الْخَزِينَةَ إِلَى غَنِيمَةٍ، وَالدَّوْلَةَ إِلَى سُوقٍ لِلْمُزَايَدَاتِ، وَالْوَطَنَ إِلَى مَوْسِمٍ مُفْتُوحٍ لِلِافْتِرَاسِ.
كَانَ بَيْنَهُمْ وُزَرَاءُ، وَقَادَةٌ، وَنُوَّابٌ سَابِقُونَ وَحَالِيُّونَ، وَرُؤَسَاءُ كُتَلٍ وَأَحْزَابٍ، اخْتَلَفَتْ عَنَاوِينُهُمْ وَتَوَحَّدَ شِعَارُهُمْ: نَهْبُ الْعِرَاقِ.
اسْتَبْشَرَ النَّاسُ، وَتَنَفَّسَتِ الشَّوَارِعُ أَمَلًا قَدِيمًا، وَارْتَفَعَتِ الدُّعَوَاتُ، وَتَبَادَلَ الْبُسَطَاءُ الْأَخْبَارَ كَأَنَّهُمْ يَحْتَفِلُونَ بِعِيدٍ وَطَنِيٍّ مُؤَجَّلٍ. لَكِنَّ الْفَرْحَ لَمْ يَكُنْ كَامِلًا، فَفِي الْقُلُوبِ غُصَّةٌ، وَفِي الْأَرْوَاحِ سُؤَالٌ مُرٌّ: هَلْ بَدَأَتِ الْمَعْرَكَةُ حَقًّا، أَمْ أَنَّنَا أَمَامَ فَصْلٍ جَدِيدٍ مِنْ مَسْرَحِيَّةٍ طَوِيلَةٍ؟
فَرَئِيسُ الْوُزَرَاءِ، الَّذِي يُقَدِّمُ نَفْسَهُ بَوْصْفِهِ صَاحِبَ الْمُبَادَرَةِ وَالْمُخَطِّطَ لِهَذِهِ الْحَمْلَةِ، تُحِيطُ بِهِ أَيْضًا ظِلَالٌ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالِاتِّهَامَاتِ، فِي وَقْتٍ بَقِيَ فِيهِ أَصْحَابُ الْمَوَائِدِ الْمُسْتَدِيرَةِ، وَسَادَةُ الْكَوَالِيسِ، وَعَرَّابُو الصَّفَقَاتِ الْكُبْرَى بَعِيدِينَ عَنِ الْمَشْهَدِ، كَأَنَّ الْحَرْبَ قَدْ تَوَقَّفَتْ عِنْدَ أَبْوَابِهِمْ. وَالْمُفَارَقَةُ الَّتِي لَا يَتَجَاهَلُهَا كَثِيرُونَ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يُشْرِفُ الْيَوْمَ عَلَى حَمْلَةِ الِاعْتِقَالَاتِ، كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَوَائِلِ مَنْ تَطْرُقُ قُوَّاتُ الْفَجْرِ أَبْوَابَهُمْ لَوْ أَنَّ هَذِهِ الْحَمْلَةَ وُلِدَتْ قَبْلَ سِنِينَ.
وَالأَكْثَرُ سُخْرِيَّةً أَنَّ الَّذِينَ صَنَعُوا مَنْظُومَةَ الْفَسَادِ، وَرَعَوْهَا، وَتَقَاسَمُوا مَوَائِدَهَا، سَارَعُوا إِلَى إِعْلَانِ دَعْمِهِمْ وَتَأْيِيدِهِمْ لِلْحَمْلَةِ، وَكَأَنَّ الذِّئَابَ قَدْ قَرَّرَتْ تَأْسِيسَ جَمْعِيَّةٍ لِحِمَايَةِ الْخِرَافِ.
إِنَّ الْفَسَادَ لَيْسَ أَسْمَاءً تُعْلَنُ فِي بَيَانٍ، وَلَا صُوَرًا تُعْرَضُ أَمَامَ الْكَامِيرَاتِ، بَلْ هُوَ مَنْظُومَةٌ كَامِلَةٌ تَشَابَكَتْ فِيهَا السُّلْطَةُ بِالْمَالِ، وَالسِّيَاسَةُ بِالْمَصَالِحِ، وَالْحُكْمُ بِالْغَنِيمَةِ. وَمَا لَمْ تَصِلِ الْمَعْرَكَةُ إِلَى رُؤُوسِ الْمَشْهَدِ وَمُهَنْدِسِي الْخَفَاءِ، فَسَيَبْقَى كُلُّ مَا يَجْرِي مُجَرَّدَ تَبْدِيلٍ لِلْمُمَثِّلِينَ عَلَى خَشَبَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَهَلْ كَانَ فَجْرُ الْأَحَدِ بَدَايَةَ حَرْبٍ حَقِيقِيَّةٍ عَلَى الْفَسَادِ؟
أَمْ أَنَّ السِّتَارَ قَدْ رُفِعَ فَقَطْ عَنْ الْمَشْهَدِ الْأَوَّلِ مِنْ مَسْرَحِيَّةٍ طَوِيلَةٍ؟
الْمَشْهَدُ الثَّانِي
أَكْبَاشُ الْفِدَاءِ…!!
لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ عَلَى التَّوَالِي، تَتَوَالَى مَشَاهِدُ هٰذِهِ الْمَسْرَحِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ، الَّتِي يَجُوزُ لَنَا الْيَوْمَ أَنْ نُطْلِقَ عَلَيْهَا اسْمَ «مَسْرَحِيَّةُ الزَّيْدِي». وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ الْحُكْمَ النِّهَائِيَّ لَا يَزَالُ مُؤَجَّلًا؛ فَرُبَّمَا يُفَاجِئُنَا الرَّجُلُ بِتَصْحِيحِ بُوصَلَتِهِ، وَيَبْدَأُ أَخِيرًا بِمُطَارَدَةِ أَبَاطِرَةِ الْفَسَادِ الْحَقِيقِيِّينَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْرِفُهُمُ الصَّغِيرُ قَبْلَ الْكَبِيرِ، وَالْجَاهِلُ قَبْلَ الْمُتَعَلِّمِ، بَدَلًا مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِاصْطِيَادِ الرُّؤُوسِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَكَاثَرَتْ حَوْلَنَا.
وَلَعَلَّ الْحَالَ يُذَكِّرُنَا بِالْمَثَلِ الْعَرَبِيِّ الشَّهِيرِ:
تَكَاثَرَتِ الظِّبَاءُ عَلَى خِرَاشٍ
فَمَا يَدْرِي خِرَاشٌ مَا يَصِيدُ
غَيْرَ أَنَّ الْمُصِيبَةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَكْمُنُ فِي أَنْ يَتَحَوَّلَ الزَّيْدِي إِلَى «خِرَاشٍ» آخَرَ؛ يَخْرُجُ وَحْدَهُ لِلصَّيْدِ، فَيَعُودُ بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَيَّ ظَبْيٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَدَفَهُ الْأَوَّلَ.
وَلْنَعُدْ الآنَ إِلَى عُنْوَانِ الْمَشْهَدِ: أَكْبَاشُ الْفِدَاءِ.
فِي الْكَوَالِيسِ، وَعَلَى مَوَائِدِ التَّحْلِيلِ السِّيَاسِيِّ، يَتَنَاقَلُ الْكَثِيرُونَ هَمْسًا وَجَهْرًا أَنَّ هٰذَا «الصَّيْدَ الْوَفِيرَ» مِنَ اللُّصُوصِ وَالْمُتَّهَمِينَ بِالْفَسَادِ، لَيْسَ سِوَى أَكْبَاشِ فِدَاءٍ، جِيءَ بِهَا لِتُقَدَّمَ قُرْبَانًا؛ لِحِمَايَةِ الرُّؤُوسِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي مَا زَالَتْ تُدِيرُ الْمَشْهَدَ مِنْ خَلْفِ السِّتَارِ، وَتُحَدِّثُ «إِعْدَادَاتِهِ» السِّيَاسِيَّةَ لَيْلًا وَنَهَارًا.
وَيَبْقَى السُّؤَالُ الَّذِي يَتَرَدَّدُ عَلَى كُلِّ لِسَانٍ:
لِمَاذَا بَدَأَ الزَّيْدِي بِالْجُذُورِ الظَّاهِرَةِ، وَلَمْ يَمَسَّ الرُّؤُوسَ الْعَفِنَةَ الَّتِي أَنْبَتَتْ هٰذَا الْفَسَادَ؟
إِنَّهُ سُؤَالٌ مَشْرُوعٌ… وَيَسْتَحِقُّ إِجَابَةً لَا تَحْتَمِلُ الْمُرَاوَغَةَ.
وَرُبَّمَا يَخْرُجُ عَلَيْنَا الْيَوْمَ بِخُطَّةٍ غَيْرِ مُعْلَنَةٍ، مَفَادُهَا مَنْحُ أَبَاطِرَةِ الْفَسَادِ مُهْلَةً ذَهَبِيَّةً؛ لِإِعَادَةِ تَرْتِيبِ أَوْرَاقِهِمْ، وَمُرَاجَعَةِ مَا يَمْلِكُونَهُ مِنْ أَمْوَالِ السُّحْتِ، وَالتَّوَافُقِ سِرًّا عَلَى إِعَادَةِ جُزْءٍ مِنْهَا، مُقَابِلَ إِسْدَالِ السِّتَارِ عَلَى مَا تَبَقَّى.
أَمَّا أَكْبَاشُ الْفِدَاءِ، فَلَنْ يَعْوِزَهَا مَنْ يَتَكَفَّلُ بِإِخْرَاجِهَا، وَسَتَكُونُ الْكَفَالَاتُ حَاضِرَةً، وَالْمَخَارِجُ الْقَانُونِيَّةُ أَكْثَرَ حُضُورًا مِنَ الْعَدَالَةِ نَفْسِهَا… إِنْ كَانَتِ النَّوَايَا غَيْرَ مَا يُعْلَنُ لِلنَّاسِ.
وَتَسْتَمِرُّ الْمَسْرَحِيَّةُ…
طِيلَةَ أَمْسِ، تَفَاعَلَ أَهْلُ بَغْدَادَ بِشَكْلٍ لَافِتٍ مَعَ الْحَمْلَةِ. فَخَرَجَ الْعَشَرَاتُ يُعَبِّرُونَ عَنْ تَأْيِيدِهِمْ لِكُلِّ جُهْدٍ حَقِيقِيٍّ يُطَارِدُ الْفَسَادَ، غَيْرَ أَنَّ الْأَكْثَرِيَّةَ لَمْ تُخْفِ مَخَاوِفَهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ هٰذِهِ الْحَرْبُ مُجَرَّدَ مَسْرَحِيَّةٍ سِيَاسِيَّةٍ رَخِيصَةٍ، صُمِّمَتْ لِامْتِصَاصِ غَضَبِ الشَّارِعِ، ثُمَّ يَعُودُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
فَقَدْ عَاشَ الْعِرَاقُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنَ النَّهْبِ الْمُنَظَّمِ، وَاللُّصُوصِيَّةِ الْمُقَنَّعَةِ، وَاخْتِفَاءِ مِلْيَارَاتِ الدُّولَارَاتِ، حَتَّى بَدَا وَكَأَنَّ الْمَالَ الْعَامَّ تَبَخَّرَ فِي سُقُوفِ الْمَنَازِلِ، وَمَنَاهِلِ الصَّرْفِ الصِّحِّيِّ، وَالْمَزَارِعِ، وَالْبُيُوتِ الْمَهْجُورَةِ، وَفِي أَمَاكِنَ لَا يَتَخَيَّلُهَا أَحَدٌ.
الْيَوْمَ هُوَ الثُّلَاثَاءُ، آخِرُ أَيَّامِ شَهْرِ حَزِيرَانَ مِنْ عَامِ 2026، وَالْأَنْظَارُ مَشْدُودَةٌ إِلَى مَا سَيَحْمِلُهُ هٰذَا الْيَوْمُ مِنْ مُفَاجَآتٍ، وَإِلَى مَا إِذَا كَانَتِ الْحَرْبُ سَتَنْتَقِلُ فِعْلًا مِنْ مُطَارَدَةِ الصِّغَارِ إِلَى مُوَاجَهَةِ الْكِبَارِ.
فَلْنَنْتَظِرْ… وَلْنُرَاقِبْ… فَالسِّتَارُ لَمْ يُسْدَلْ بَعْدُ، وَالْمَشْهَدُ الْقَادِمُ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ إِثَارَةً… أَوْ أَكْثَرَ فَضِيحَةً.
