11 سبتمبر، 2026 - 2:59 مساءً
مقالات وآراء

نوري المالكي.. عندما يغلب الطبع على التطبع في ميزان المصالح الدولية

بندر عباس اللامي

ابتداءا ليست لدي خلافات او مشاكل لاسامح الله مع اي اسم او عنوان مهما كان في النظام الذي تأسس بعد الاحتلال وكل ما أتناوله في كتاباتي وجهات نظر ربما يغلب عليها الطابع التحليلي الاكاديمي اكثر منه سياسي؟! وهذا المقال تحليل من زاوية علمية سيكوسياسية (أي ماذا يدور بذهن المالكي)وأركز فيه على جدلية الطبع والتطبع في كيفية ادارة المالكي ونظرته للحكم وكيف وظف قطبي النفوذ والتناقض ظاهرا بينهما والتنسيق باطنا ((اقصد واشنطن وطهران))!!

في علم النفس السياسي ثمة خيط رفيع يربط بين التطبع وهو السلوك المكتسب الذي تفرضه بروتوكولات الدولة وضرورات الدبلوماسية وبين الطبع وهو المكنون الأيديولوجي والنزعة الذاتية التي تشكل هوية المسؤول. في حالة نوري المالكي مسؤول حزب الدعوة رئيس وزراء العراق الأسبق لثمان سنوات !نجد أننا أمام نموذج فريد تغلبت فيه طباعه الحزبية والذاتية على تطبعه كرجل دولة ! مما جعله يؤدي دوراً مزدوجاً أخلص فيه لخدمة مشروعين متناقضين ظاهرياً المشروع الأمريكي والمشروع الإيراني.

اولا:ازدواجية الولاء: الدولة بين خيارين

عندما جاء المالكي إلى سدة الحكم فوق دبابة أمريكية وبإرادة أمريكية وبتوافق إيراني صامت وهو ما فرض عليه ((تطبعاً)) ديمقراطياً شكلياً يتناغم مع مسرحية وأكذوبة شعارات “العراق الجديد”. حاول في بداياته تقمص دور رجل القانون وجامع الشتات لكن سرعان ما بدأت طباعه الأصيلة وخليفته ((حزب الدعوة))تتكشف. هذه الطباع المسكونة بهواجس حب الإقصاء والمركزية المفرطة هي التي قادته لتحويل الدولة إلى إقطاعية حزبية مما خدم الاستراتيجية الإيرانية في ترسيخ مايسمى بالدولة العميقة داخل مفاصل العراق المحتل.

ثانيا:خدمة إيران: الطبع الأيديولوجي

عندما اصطدمت مصلحة ماتبقى من الدولة العراقية بمصلحة المحور الإيراني كان ((طبع ))المالكي يميل دائماً لجهة طهران. لقد ساهمت سياساته في تهميش المكونات الأخرى ٤٦٪؜ من العرب السنة و١٠٪؜من السنة الأكراد والتركمان ٣٪؜ ناهيك عن مئات الالاف من المسيحيين والأديان المحترمة الأخرى بأكذوبة اخترعها الاحتلال وحاولوا ان يرسخوها من سلموا السلطة بالتزوير ومسرحيات الانتخابات المفبركة وفي إضعاف الجيش النظامي والأجهزة الامنية التي تم تشكيلها بعد الاحتلال لصالح تعزيز نفوذ المليشيات المسلحة الفارسية الولاء وهو ما مهد الطريق لاحقاً لشرعنة النفوذ الإيراني المؤسساتي. هنا …لم يكن المالكي يتطبع بطباع الجوار الفرس بل كان يمارس طبعه العقائدي الأيديولوجي الذي يرى في نظام ملالي طهران العمق الاستراتيجي والضامن لبقائه في السلطة.

ثالثا:خدمة أمريكا: براغماتية البقاء

على الجانب الآخر قدم المالكي لأمريكا خدمات جليلة ليس حباً في مشروعها الكارثي بل لأن طبعه التسلطي والسلطوي يدرك أن واشنطن هي بوابة الشرعية الدولية ؟! لقد وقع اتفاقية الإطار الاستراتيجي سيئ الصيت والمحتوى الذي حفظ كل مصالح الاحتلال مقابل تعهد أمريكا بإبقائه هو وكل من جاؤا مع او خلف دبابات الاحتلال في السلطة إلى اجل غير مسمى ؟؟؟؟ وحافظ على تدفق النفط وضمن لواشنطن بقاء العراق ضمن المنظومة الاقتصادية العالمية رغم العقوبات على إيران. كان المالكي يتظاهر بالتطبع بالبراغماتية الأمريكية لضمان استمرار الدعم العسكري والسياسي له ولحكومته وهو ما جعل واشنطن تغض الطرف لسنوات عن اخطائه وتجاوزاته السلطوية وتفرده بالحكم.

رابعا:الصدام الكبير: سقوط القناع

بلغت ذروة ((تغلب الطبع على التطبع))عند المالكي في ولايته الثانية الكارثية حين تحولت محاولاته ونزعته إلى ممارسات اكثر وضوح لتصفية الخصوم وتحولت إلى وقود لنار الفتنة الطائفية التي اشعلوها بعد الاحتلال ومهد لمسرحية سقوط واحتلال ثلث العراق بيد بضع مئات من تنظيم “داعش”. في تلك اللحظة العصيبة على العراق وشعبه …سقط قناع ((رجل الدولة المزعوم)) (التطبع) وظهرت حقيقة وجه (الشخص الطائفي الفئوي الطبع). الغريب أن هذا السقوط اضر العراق وخدم الطرفي ؟! فإيران وجدت ذريعة للتأسيس الرسمي لأذرعها بالعراق وتسميته بالحشد الشعبي وتدخلت بشكل سافر ومفضوح وأمريكا وجدت ذريعة للعودة العسكرية عبر مايسمى بالتحالف الدولي بعدما ادعت انها تزكت العراق بلا عودة وكلا الفعلين كانا بترتيب وتنسيق وتنفيذ من المالكي ؟!
إن تجربة نوري المالكي تثبت أن طبعه يسبق التطبع دائماً لدى امثاله من الذين يفتقرون للمشروع الوطني العابر للحدود الحزبية والطائفية نعم لقد نجح المالكي في أن يكون الرجل الضروري الخادم المنفذ لكل ما خططتا له كل من واشنطن وطهران لفترة طويلة ليس لأنه رجل دولة بارع !! بل لأن طباعه الشخصية والحزبية أسهمت وخلقت واقعاً سياسياً مشوهاً جعل من العراق ساحة لتلاقي المصالح الإيرانية-الأمريكية على حساب السيادة الوطنية التي فقدها العراق منذ احتلاله في نيسان ٢٠٠٣! لقد خدم المالكي الجميع إلا العراق وشعبه المظلوم وظل سجيناً لطباع المعارض القديم التي فشل في ان يتخلص منها في التحول إلى طباع الحاكم الرشيد.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=89622