في العتمة يولد المصير، ونتنياهو مهما علا يبقى أسيراً لطلقة مجهولة، أو صاروخ عابر، أو خيانةٍ صامتة، أو خطأٍ رقمي بارد !
في عالم تتشابك فيه السياسة بالعنف والرمزية بالدم، يظلّ مصير الساسة مرهوناً ليس فقط بما يخططون له، بل أيضاً بما لا يتوقعونه. صورة رئيس وزراء يقف على رأس هرم القوة في كيان محاط بالعداوات والتهديدات، تحمل في طياتها دوماً احتمالات النهاية المفاجئة ، وبينما يتنقل بين قرارات الحرب وتفكيك الأزمات الداخلية، تتراكم على الطاولة أربعة سيناريوهات مختلفة لاغتيال نتنياهو: سيناريو داخلي نابع من الاحتقان الشعبي، سيناريو خارجي متصل بالصراع الإقليمي، سيناريو غامض يستحضر لعبة الأجهزة السرية، وسيناريو رابع مبتكر يولد من قلب الخوارزميات.
السيناريو الأول يتجلى في الداخل، حيث تتحول الأزمات المتراكمة في الأراضي المحتلة إلى بركان لا يمكن احتواؤه. في رقعة جغرافية تتسم بكثافة التوترات الاجتماعية والسياسية، يصبح نتنياهو الذي يرفع راية القوة في الخارج مكشوفاً في الداخل. الاحتجاجات ضد السياسات الاقتصادية أو القرارات العسكرية قد تتحول إلى منصة تنتج عنها محاولات فردية يائسة لشخصيات مهمشة ترى في استهدافه تعبيراً عن عدالة مفقودة وهذا السيناريو ليس غريباً على التاريخ، فقد شهدت عواصم كثيرة اغتيالات من هذا النوع: أنور السادات الذي سقط في عرض عسكري على يد متطرفين من الجيش، وإسحاق رابين الذي اغتيل على يد يهودي وسط تظاهرة للسلام، وحتى جون كينيدي الذي قُتل برصاصة قناص في وضح النهار وهو محاط بالحشود. المشترك في كل هذه الأمثلة أن القاتل لم يكن جيشاً ولا تنظيماً دولياً، بل فرد واحد قرر أن يضع حداً لحياة سياسي ، فغيّر مسار التاريخ. أخطر ما في هذا السيناريو أن الدولة بكامل أجهزتها تظهر عاجزة أمام اندفاع فردي مسكون بالكراهية أو الإحباط، وأن السلطة مهما بلغت من القوة تظل هشة في مواجهة شخص واحد يحمل السلاح والإصرار.
أما السيناريو الثاني فيمتد خارج الحدود، إذ تتقاطع العداوات الإقليمية مع الحسابات العسكرية. في الشرق الأوسط، كل جبهة مفتوحة هي احتمال مستمر للثأر. اغتيال نتنياهو قد يأتي عبر هجوم صاروخي أو طائرة مسيّرة متقدمة، في لحظة يظن فيها أنه آمن ضمن منظومة دفاعية متطورة. لقد رأينا كيف تحولت الطائرات المسيّرة من أدوات مراقبة إلى أسلحة اغتيال نوعية، من غزة إلى كييف، ومن بغداد إلى صنعاء. محاولات استهداف القذافي في ليبيا من الجو، وقصف الأميركيين لقادة طالبان والقاعدة بطائرات بدون طيار، كلها شواهد على أن السماء لم تعد سقفاً آمناً للساسة. في مثل هذا السيناريو، لا يعود الاغتيال مجرد ضربة لشخص، بل انعطافة استراتيجية تعيد تشكيل قواعد اللعبة في المنطقة. وما يميز هذا السيناريو أن الصراع لا يتوقف عند لحظة الاغتيال، بل يبدأ منها، لأن موت الزعيم بصاروخ يطلق من خلف الحدود لن يُقرأ كحادثة منفصلة، بل كشرارة لتحولات أعظم.
السيناريو الثالث يغوص في العتمة، حيث لا عدو واضحاً ولا احتجاج جماهيرياً، بل مؤامرة تُحاك في الظل. أجهزة الاستخبارات، سواء المحلية أو الدولية، كثيراً ما ارتبط اسمها بأحداث اغتيال لم تُفك ألغازها حتى بعد عقود. كم من زعيم رحل وترك وراءه علامات استفهام أكثر من اليقين؟ ستالين الذي مات محاطاً بالشكوك حول دور حاشيته، أو برويز مشرف الذي نجا من أكثر من محاولة، أو حتى بول بوت الذي قضى في ظروف غامضة. في هذه القراءة، قد يصبح السياسي ضحية لعبة داخلية بين أجنحة السلطة نفسها، أو ورقة يُضحى بها في سياق ترتيبات سياسية أكبر. التاريخ مليء بقصص ساسة انتهوا ليس برصاص عدو، بل بخطة أقرب المقربين. هذا السيناريو يثير التساؤل الأخطر: هل يمكن أن تكون الأجهزة التي تحمي السياسي هي ذاتها من تكتب الفصل الأخير في حياته؟ هنا يغدو الاغتيال ليس مجرد حدث أمني، بل انعكاساً لأزمة عميقة في بنية الكيان ، حين تفقد المؤسسات توازنها وتتحول أدوات الحماية إلى أدوات إزاحة. والأخطر أن مثل هذا السيناريو لا يترك أثراً مرئياً للعدو الخارجي، بل يزرع الشك في كل ركن داخلي، فيتحول الموت السياسي إلى لعنة مؤسسية تفتك بالثقة العامة.
أما السيناريو الرابع فهو الأكثر غرابة وإثارة للرعب: سيناريو خوارزمي يولد من رحم العصر الرقمي. في زمن الذكاء الاصطناعي، لم يعد القادة محاطين فقط بالبشر والحراس، بل بالشبكات الرقمية التي تدير حياتهم اليومية: برمجيات تنظم تحركاتهم، خوارزميات ترسم مسارات مواكبهم، أنظمة سيبرانية تراقب كل دقيقة من يومهم. يكفي خلل في كود، أو اختراق سيبراني دقيق، أو تلاعب خفي داخل قاعدة بيانات، ليصبح نتنياهو هدفاً ليس ليد بشرية، بل لسطر برمجي مجهول. هنا لا يوجد قاتل فيزيائي ولا مؤامرة تقليدية، بل منظومة تتحول ضد صاحبها. ولعل أكثر ما يرعب في هذا السيناريو أنه لا يترك جسداً للعدو كي يُساق إلى المحاكمة، بل مجرد شيفرة ضبابية يتيمة لا وجه لها. هذا النوع من الاغتيال البارد يذكّرنا بأننا دخلنا عالماً جديداً، حيث الكود قد يكون أقوى من القنبلة، والخطأ الرقمي أشد فتكاً من رصاصة.
هذه السيناريوهات الأربعة، وإن بدت متباينة، تشترك في أنها لا تنشغل بتفاصيل الرصاص أو الصاروخ أو الخوارزمية بقدر ما تركز على الرسالة. فالاغتيال في النهاية ليس مجرد حدث أمني، بل نص سياسي يُعاد تأويله. عندما يُغتال زعيم في وضح النهار، فإن الرصاصة أو الطائرة المسيّرة أو حتى الخلل الرقمي لا تقتل جسده وحده، بل تذبح معه صورة الكيان في أذهان الناس. لقد رأينا كيف أن اغتيال رابين أطلق رياحاً سياسية غيّرت مسار السلام، وكيف أن مقتل السادات فتح بوابة جديدة للتحولات في مصر والمنطقة. الاغتيال هنا ليس مجرد موت فرد، بل إعادة صياغة للوعي الجمعي بأكمله.
من هنا، فإن خطورة الموضوع تكمن في قدرته على إعادة تعريف معنى السلطة. السياسي الذي يظن أن سلطته حصناً منيعاً يكتشف أن كرسيه ليس سوى منصة مكشوفة للريح. قد يسقط برصاص فرد مهووس، أو بصاروخ يطلق من خلف الحدود، أو بمؤامرة تحاك داخل مكتبه، أو حتى بخطأ في خوارزمية تسيّر سيارته. في جميع الحالات، يظل جوهر الرسالة واحداً: أن القوة مهما بدت مطلقة، فإنها في النهاية هشة، وأن السياسي الارهابي مهما بدا صلباً يظل محاطاً باحتمالات العاصفة.
التاريخ يعلّمنا أن أعظم الانتصارات قد تُنسف في لحظة واحدة، وأن الخطابات الحماسية لا تصمد أمام اندفاع فردي أو مؤامرة سرية أو خطأ رقمي. التفكير في هذه السيناريوهات ليس تنبؤاً ولا تحريضاً، بل قراءة في طبيعة الصراع السياسي في عالم باتت فيه الحدود بين الواقع والرمز متداخلة. والحقيقة المؤكدة أن الخوف من الاغتيال صار جزءاً من الحكم نفسه. إنه الثمن الذي يدفعه كل من يختار أن يقف في قلب العاصفة، وهو يظن أن بإمكانه أن يروضها، بينما هي في الحقيقة تنتظره لتبتلعه.
في النهاية، قد يكون أخطر ما يواجه أي سياسي ليس الرصاصة ولا الصاروخ ولا حتى المؤامرة، بل سطر برمجي مجهول يختبئ في جهاز أمني أو خوارزمية مسيّرة. في زمن الخوارزميات، قد يكون القاتل سطراً من كود لا يحمل وجهاً ولا اسماً، بل توقيعاً بارداً يكتب النهاية في صمت مطبق.
