إن استمرار الحديث عن استهدافات محتملة أو تهديدات تطول دول الخليج والقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة فيها لا يعكس مجرد تصعيد إعلامي عابر، بل يكشف عن تحول أعمق في طبيعة إدارة الصراع الإقليمي. فالمواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد تُفهم بوصفها مواجهة ثنائية محصورة بين دولتين، بل أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من المصالح والقواعد العسكرية والممرات الاقتصادية الممتدة عبر المنطقة كلها.
في هذا السياق، تسعى إيران إلى ترسيخ معادلة ردع مختلفة، قوامها أن أي ضغط استراتيجي كبير عليها سيقابله رفع كلفة المواجهة على محيطها الإقليمي، وليس داخل حدودها فقط. فبدلًا من حصر الصراع في الجغرافيا الإيرانية، يجري نقل الرسالة إلى الأطراف المعنية بأن أمن المنطقة ومصالحها الاقتصادية والعسكرية قد تصبح جزءًا من معادلة الرد والردع.
ما يجري هنا لا يعبر بالضرورة عن رغبة في توسيع الحرب بقدر ما يعبر عن محاولة لتوسيع مساحة المخاطر المرتبطة بها. فهناك فرق جوهري بين توسيع نطاق العمليات العسكرية وتوسيع دائرة الجهات التي ستتأثر بنتائجها. ومن هذه الزاوية، تبدو طهران وكأنها تعمل على إعادة تعريف مفهوم الردع من خلال الربط بين أمنها القومي والاستقرار الإقليمي ككل.
وعليه، فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد يتمثل في قدرة أي طرف على توجيه الضربة أو تحملها، بل في مدى قدرته على منع انتقال آثار المواجهة إلى فضاءات أوسع قد تشمل أسواق الطاقة، وحركة الملاحة، والبنية الأمنية الخليجية، والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية؛ فكلما اتسعت مساحة المخاطر، ازدادت صعوبة السيطرة على مسار التصعيد نفسه.
لذلك فإن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس احتمال اندلاع مواجهة مباشرة، بل تآكل الحدود التقليدية للصراع، وتحول المنطقة تدريجيًّا إلى ساحة تتداخل فيها حسابات الردع مع حسابات الاقتصاد والطاقة والأمن الإقليمي. وفي مثل هذه البيئات، تصبح إدارة المخاطر أكثر أهمية من إدارة المعركة ذاتها.
توسيع المخاطر لا توسيع الحرب.. بقلم/ د. فالح الشبلي
📎 رابط مختصر للمقال:
https://alarabportal.com/?p=93334
