18 يونيو، 2026 - 10:31 صباحًا
سليدرمقالات وآراء

جريمة أستاذ: كتب عن تلاميذه!.. لكي لا نصاب بداء العظمة

بقلم/ ياس خضير البياتي

منذ أن بدأتُ كتابة سلسلة (مبدعون في الذاكرة)، أخذت تصلني ملاحظات كثيرة، بعضها يُقال علناً وأكثرها يُقال همساً.

وكان أكثر ما يثير استغراب البعض أنني أكتب أحياناً عن شخصيات كانت في يوم من الأيام من طلبتي في الجامعة، أو من الباحثين والصحفيين الذين عرفتهم في بداياتهم المهنية.

كان بعض الأصدقاء يقول لي: “ليس من المألوف أن يكتب الأستاذ عن تلاميذه، فالمفترض أن يكتبوا هم عنه، لا أن تنقلب الآية”.
وتجدد هذا الحديث مؤخراً بعد نشر مقالتين عن الإعلامي الدكتور فاضل البدراني، والقاصة والصحفية أسماء مصطفى، إذ وجد بعض القراء في ذلك أمراً غير معتاد.

لكنني أتساءل: ولماذا لا يكتب الأستاذ عن تلاميذه؟

أليست أجمل ثمار العمر أن يرى المعلم بعض من جلسوا على مقاعد الدرس وقد صاروا أسماء فاعلة في الثقافة والإعلام والأدب؟

أليس نجاح التلميذ جزءاً من نجاح أستاذه؟ بل ربما كان النجاح الحقيقي للأستاذ أن يرى تلاميذه يتجاوزونه ويشقّون طرقهم الخاصة في الحياة والمعرفة.

لقد اعتدنا أن يكتب الطالب عن أستاذه بوصفه وفاءً وعرفاناً، لكن الوفاء ليس طريقاً ذا اتجاه واحد. فكما يحق للتلميذ أن يذكر فضل أستاذه، يحق للأستاذ أيضاً أن يعترف بجهد تلاميذه، وأن يحتفي بما أنجزوه، وأن يمنحهم شهادة صادقة أمام الناس والتاريخ.

أنا لا أكتب عن هؤلاء من موقع الأستاذ الذي يوزع الأوسمة، ولا من موقع الوصي على تجاربهم، بل أكتب عنهم بوصفهم مبدعين يستحقون التوثيق.

فالكتابة ليست مكافأة، وإنما محاولة لحفظ الذاكرة العراقية من النسيان، وإنصاف أسماء تركت أثراً في زمن صار النسيان فيه أسرع من الضوء.

لقد تعلمت خلال رحلتي الطويلة في الجامعة والصحافة والثقافة أن المعرفة ليست سلطة، بل سلسلة من الأيادي المتعاقبة. وما الأستاذ إلا حلقة في هذا السلسلة.

أما الذين يظنون أن الكتابة عن التلاميذ تُنقص من مكانة الأستاذ، فأظنهم لم يدركوا بعد أن الشجرة لا تكبر إلا بأغصانها، وأن النهر لا يصنع مجراه وحده، بل تصنعه الروافد التي تصب فيه.

لذلك سأواصل الكتابة عن كل من أراه جديراً بالحضور في هذه الذاكرة، سواء كان أستاذاً من جيلي، أو زميلاً، أو تلميذاً أصبح اليوم اسماً لامعاً في حقله. فالإبداع لا عمر له، والإنجاز لا يعترف بالفوارق بين الأجيال.

وإذا كان بعضهم يرى في ذلك خروجاً على المألوف، فأنا أراه وفاءً للعلم وللأبداع .

انني حين أكتب عن تلميذي، فإنني أكتب أيضاً عن نفسي، عن ذلك الجزء الذي استمر خارج حدودي، وعن الأثر الذي صار كائناً مستقلاً. وهذه، في ظني، أجمل لحظة يمكن أن يعيشها أي معلم: أن يرى فكرته تمشي على قدمين، وتخاطب العالم بصوتها الخاص.

هكذا فقط يكتمل المعنى، وهكذا يتحقق الوفاء الحقيقي للعلم: أن نمنحه، ثم نفرح حين نراه يعود إلينا مضاعفاً في وجوه تلاميذنا.

وعندما أكتب عنهم، فإنني لا أقدم لهم منحةً ولا أجاملهم، بل أوجّه رسالةً إلى الآخرين وإلى نفسي قبلهم.
إنها محاولة لاستعادة معنى التواضع في زمنٍ تضخمت فيه الأنا، ودرسٌ في الاعتراف بجهد الآخرين مهما كانت علاقتنا بهم.

فالكتابة عن تلميذٍ ناجح ليست انتقاصاً من الأستاذ، بل انتصارٌ للقيم التي آمن بها. وهي أيضاً تمرينٌ أخلاقي على إسقاط نرجسيتنا المريضة، ومقاومة أوهام داء العظمة التي تجعل بعضنا يظن أن التاريخ يبدأ عنده وينتهي عنده.

وأظن أن أجمل ما يمكن أن يفعله الأستاذ في خريف العمر، ليس أن يعدد إنجازاته، بل أن يشير إلى أشجار أخرى نمت في الحقل نفسه، ويقول للناس: هنا مررنا معاً، وهنا ترك العلم أثره.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93451