أكتب هذه الكلمات من غزة، حيث لم يعد الزمن يُقاس بالأيام، بل بعدد من غابوا، ومن نجوا، ومن ينتظرون المجهول. هنا، لم يعد السؤال: كم يبلغ عدد السكان؟ بل: كم تبقى من الحياة في مدينة أنهكتها الحرب؟
في الحادي عشر من يوليو من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للسكان، باعتباره مناسبة لتجديد الالتزام بحق الإنسان في الحياة والكرامة والتنمية. لكن في غزة، يحمل هذا اليوم معنى مختلفًا؛ فبينما تُجري الدول إحصاءاتها لتخطط لمستقبل شعوبها، تُحصي غزة أبناءها بعد كل يوم من الموت والدمار.
هناك فرق أخلاقي هائل بين أن تُحصي البشر لبناء المدارس والمستشفيات وفرص العمل، وبين أن تُحصيهم لأنهم أصبحوا قتلى أو جرحى أو نازحين. في الحالة الأولى، يكون الإحصاء بدايةً للحياة، وفي الثانية يصبح شهادةً على عجز العالم عن حمايتها.
لقد أصبحت الأرقام اللغة الأكثر تداولًا في الحديث عن غزة. عدد القتلى، وعدد الجرحى، وعدد المفقودين، وعدد النازحين، وعدد المنازل المدمرة. ومع كل رقم جديد، يختفي اسم، وتُطوى حكاية، ويُطفأ حلم كان يستحق أن يعيش.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في ارتفاع الأرقام فحسب، بل في اعتيادها. فعندما يصبح عدد الضحايا خبرًا يوميًا لا يوقظ الضمير، يتحول الإنسان إلى قيمة قابلة للاختزال، ويصبح العدُّ بديلًا عن الحماية، والإحصاءُ بديلًا عن العدالة.
ومن منظور القانون الدولي، فإن حماية المدنيين ليست التزامًا أخلاقيًا فحسب، بل واجب قانوني تفرضه قواعد القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاعات. غير أن ما تشهده غزة يطرح تساؤلات مؤلمة حول قدرة المجتمع الدولي على ترجمة هذه المبادئ إلى حماية فعلية للمدنيين.
كما أن هذه المراجعة يجب أن تشمل كل من يملك قرارًا أو تأثيرًا في الشأن الفلسطيني. فالقضية العادلة تستمد قوتها من حماية الإنسان، لا من اعتياده على الخسارة. وكل خطاب أو سياسة تجعل حياة المدنيين أقل أولوية تستحق مراجعة صادقة، لأن الإنسان يجب أن يبقى الغاية الأولى لأي مشروع وطني، لا الثمن الذي يُدفع باسمه.
ولا توجد معادلة ديموغرافية تستطيع أن تعوض طفلًا قُتل، أو طبيبة فقدها مجتمعها، أو معلمًا حُرم منه طلابه، أو أسرة أُزيلت من سجل الحياة. فالأمم لا تُبنى بكثرة المواليد، وإنما بحماية من وُلدوا، وتمكينهم من أن يعيشوا بكرامة وأمان.
سيكتب التاريخ يومًا عدد الضحايا، وعدد البيوت التي هُدمت، وعدد الأطفال الذين حُرموا من مدارسهم. لكنه سيكتب أيضًا أن العالم امتلك القدرة على إحصاء المأساة، بينما تأخر طويلًا في منعها.
وفي اليوم العالمي للسكان، لا تحتاج غزة إلى مزيد من الإحصاءات، بل إلى أن يستعيد العالم إيمانه بأبسط حقيقة عرفتها الإنسانية:
أن الإنسان ليس رقمًا… وأن قيمة الحياة لا تُقاس بالإحصاءات، بل بقدرتنا على حمايتها.
دولة فلسطين – غزة 🇵🇸
12 يوليو/تموز 2026
